لماذا الرد الإيراني علي العرب وتجنب إسرائيل ؟ 

تصفية حسابات بالوكالة .. طهران بين الردع و التصعيد

الرائد: أعادت الضربات الأمريكية الأخيرة على أهداف داخل إيران، وما تبعها من ردود إيرانية استهدفت قواعد ومنشآت عسكرية أمريكية في المنطقة، الجدل حول طبيعة الاستراتيجية الإيرانية في إدارة الصراع. فبينما تؤكد طهران أن هدفها هو القوات الأمريكية والإسرائيلية، يتساءل مراقبون عن سبب اختلاف طبيعة الردود بين الجبهات المختلفة، ولماذا تتحمل بعض الدول العربية التي تستضيف قوات أمريكية جزءاً كبيراً من تبعات المواجهة.

وتشير بيانات رسمية وتصريحات حكومات المنطقة إلى أن عدداً من الهجمات الإيرانية خلال موجات التصعيد استهدف قواعد عسكرية تستخدمها القوات الأمريكية في الخليج، في حين تؤكد إيران أن هذه القواعد تعد جزءاً من البنية العسكرية التي تنطلق منها العمليات ضدها. وفي المقابل، تعرضت إسرائيل كذلك خلال فترات مختلفة من التصعيد لهجمات مباشرة بالصواريخ والطائرات المسيّرة، وإن اختلفت كثافتها وتوقيتها بحسب تطورات المواجهة، وهو ما يجعل توصيف المشهد أكثر تعقيداً من الروايات المتداولة على وسائل التواصل.

ويرى سيث جونز، مدير برنامج الأمن الدولي في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية CSIS، أن إيران تتبع ما يعرف باستراتيجية “إدارة التصعيد”، أي توجيه ضربات تحقق أثراً عسكرياً وسياسياً مع تجنب الوصول إلى حرب إقليمية مفتوحة قد تهدد بقاء النظام الإيراني نفسه. وتذهب منى يعقوبيان، مديرة برنامج الشرق الأوسط في المركز ذاته، إلى أن القيادة الإيرانية تحاول الجمع بين الردع العسكري والحفاظ على هامش للمناورة السياسية والدبلوماسية، بحيث تبقى قادرة على التفاوض إذا تغيرت الظروف.

أما مجموعة الأزمات الدولية International Crisis Group فترى أن اختيار الأهداف الإيرانية يخضع لحسابات تتعلق بقيمة الهدف العسكرية، واحتمالات الرد المقابل، وتأثير العملية على الرأي العام الداخلي والخارجي، وليس لاعتبارات أيديولوجية فقط. ويذهب عدد من الباحثين في مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي CFR إلى أن إيران تنظر إلى القواعد الأمريكية المنتشرة في الخليج باعتبارها جزءاً من منظومة العمليات الأمريكية، ولذلك تضعها ضمن بنك أهدافها عند وقوع مواجهة مباشرة مع واشنطن.

وفي المقابل، برز خلال الأشهر الماضية اتجاه تحليلي في بعض الأوساط الإعلامية العربية يطرح فرضية مختلفة، مفادها أن إيران تتجنب في بعض المراحل تنفيذ عمليات قد تدفع الولايات المتحدة أو إسرائيل إلى رد شامل لا تستطيع احتواءه، بينما تفضل توجيه رسائلها العسكرية إلى القواعد الأمريكية الموجودة في الدول العربية، وهو ما يؤدي عملياً إلى انتقال جزء من كلفة الصراع إلى الدول العربية المستضيفة لتلك القواعد. ويرى أصحاب هذا الطرح أن هذا السلوك يحقق لإيران هدفين في آن واحد: إظهار القدرة على الرد، مع تقليل احتمالات الانزلاق إلى مواجهة مباشرة واسعة مع الولايات المتحدة أو إسرائيل. غير أن هذا التفسير يبقى فرضية تحليلية متداولة بين بعض المعلقين، ولم تتبنَّه مراكز الأبحاث الغربية الكبرى باعتباره استنتاجاً مثبتاً.

ويؤكد محللون آخرون أن وجود قواعد أمريكية كبيرة في دول الخليج يجعلها أهدافاً عسكرية أقرب جغرافياً وأسهل من الناحية العملياتية مقارنة بأهداف أخرى، كما أن أنظمة الدفاع الجوي الإسرائيلية متعددة الطبقات تفرض تحديات مختلفة على أي هجوم مباشر، وهو ما يفسر اختلاف أنماط الاستهداف دون الحاجة إلى افتراض وجود تفاهمات غير معلنة بين طهران وواشنطن.

ويرى علي واعظ، مدير مشروع إيران في مجموعة الأزمات الدولية، أن مستقبل التصعيد سيظل رهناً بقدرة جميع الأطراف على الحفاظ على خطوط الاتصال السياسية، لأن أي خطأ في الحسابات قد يحول سياسة “الرد المتدرج” إلى حرب إقليمية واسعة. بينما يتوقع سيث جونز استمرار إيران في المزج بين الضربات المباشرة والوسائل غير المباشرة عبر حلفائها الإقليميين إذا استمرت الضغوط العسكرية عليها، مع السعي إلى تجنب مواجهة شاملة. أما منى يعقوبيان فترى أن دول الخليج ستتجه خلال المرحلة المقبلة إلى تعزيز الدفاعات الجوية والتنسيق الأمني، بالتوازي مع تكثيف جهود الوساطة لتقليل احتمالات توسع الصراع.

وتخلص غالبية مراكز الدراسات الغربية إلى أن المنطقة تدخل مرحلة جديدة تتسم بتعدد ساحات الاشتباك، حيث أصبحت القواعد العسكرية، وخطوط الملاحة، والبنية التحتية للطاقة، والأدوات السيبرانية، جميعها جزءاً من معادلة الردع المتبادل. وفي ظل غياب تسوية سياسية شاملة، يتوقع الخبراء استمرار نمط التصعيد المنضبط، مع بقاء احتمال الانفجار الإقليمي قائماً إذا تجاوز أحد الأطراف الخطوط الحمراء التي رسمها خصومه.

المصادر: تقارير وتحليلات صادرة عن مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية CSIS، ومجلس العلاقات الخارجية الأمريكي CFR، ومجموعة الأزمات الدولية International Crisis Group، ووكالة أسوشيتد برس، وتقارير برلمانية بريطانية حول تطورات الصراع الإيراني الإسرائيلي.
:::

اترك تعليقا