إندونيسيا والنيكل.. لماذا تتنافس واشنطن وبكين على جاكرتا؟
ثروات المعادن تدفع القوتين للتنافس على سلاسل توريد البطاريات والسيارات الكهربائية
- معاذ الجمال
- 12 يوليو، 2026
- اقتصاد الرائد, تقارير وترجمات
- اخبارجريدة الرائد, المعادن الأرضية النادرة, المعادن الحيوية, المعادن النادرة, اندونيسيا, جاكرتا, قطاع المعادن, واشنطن وجاكرتا
لم يعد التنافس بين الولايات المتحدة والصين يقتصر على أشباه الموصلات أو الذكاء الاصطناعي، بل امتد إلى المعادن الحرجة التي أصبحت الركيزة الأساسية لاقتصاد الطاقة النظيفة، وفي مقدمة هذه المعادن يبرز النيكل، الذي تمتلك إندونيسيا أكبر احتياطياته وأعلى معدلات إنتاجه عالميًا، ما منح جاكرتا مكانة استراتيجية في سباق السيطرة على سلاسل توريد البطاريات والسيارات الكهربائية، وبين الاستثمارات الصينية الضخمة والمحاولات الغربية لتنويع مصادر المعادن، أصبحت إندونيسيا لاعبًا يصعب تجاوزه في معادلة الاقتصاد العالمي.
النيكل.. الورقة الرابحة لإندونيسيا..
تحولت “إندونيسيا” خلال الأعوام الأخيرة إلى أكبر منتج لـ”النيكل” في العالم، وهو معدن أساسي في إنتاج “بطاريات السيارات الكهربائية” و”أنظمة تخزين الطاقة”، كما يدخل في صناعات “الفولاذ المقاوم للصدأ” وبعض التطبيقات الدفاعية والتكنولوجية، ووفقًا لـ”هيئة المسح الجيولوجي الأميركية”، تمتلك البلاد أكبر احتياطيات مؤكدة من “النيكل” عالميًا، الأمر الذي منحها نفوذًا متزايدًا داخل سلاسل الإمداد العالمية.
وفي عام 2020، دخل قرار الحكومة الإندونيسية بحظر “تصدير خام النيكل” حيز التنفيذ، بهدف دفع المستثمرين إلى إنشاء مصانع للصهر والمعالجة داخل البلاد بدلاً من تصدير الخام، بما يعزز القيمة المضافة ويحول “إندونيسيا” إلى مركز إقليمي لصناعة المواد المستخدمة في البطاريات، وقد أثارت هذه السياسة اعتراضات من “الاتحاد الأوروبي” أمام “منظمة التجارة العالمية”، لكنها في المقابل جذبت استثمارات صناعية ضخمة وأسهمت في توسع الصناعات التحويلية المحلية.
الصين تتقدم.. والغرب يحاول اللحاق..
كانت “الصين” المستفيد الأكبر من السياسة الصناعية الإندونيسية، إذ ضخت شركات كبرى مثل “مجموعة تسينغشان القابضة” (شركة صينية رائدة في تعدين النيكل وإنتاج الفولاذ المقاوم للصدأ)، و”هوايو كوبالت” (شركة صينية متخصصة في إنتاج ومعالجة معادن البطاريات)، و”كاتل CATL” (شركة صينية تُعد أكبر شركة في العالم لتصنيع بطاريات السيارات الكهربائية) مليارات الدولارات في مشروعات التعدين والصهر وإنتاج المواد الأولية المستخدمة في البطاريات، ونتيجة لذلك.. أصبحت الشركات الصينية صاحبة الحضور الأبرز في “قطاع معالجة النيكل” داخل “إندونيسيا”، ما عزز موقع “بكين” في سلاسل توريد البطاريات عالميًا.
ويرى “جوناثان هيلمان”، (الباحث البارز في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية)، أن قوة “الصين” لا تكمن في الحصول على المعادن الخام فحسب، وإنما في استثماراتها الممتدة عبر مختلف حلقات سلسلة القيمة، من التعدين والتكرير إلى تصنيع مكونات البطاريات، وهو ما منحها أفضلية يصعب تعويضها سريعًا.
وفي المقابل، تنظر “الولايات المتحدة” إلى المعادن الحرجة باعتبارها قضية ترتبط بالأمن الاقتصادي والأمن القومي، وهو ما دفعها إلى تعزيز التعاون مع حلفائها لتقليل الاعتماد على “الصين”، وفي هذا الإطار.. أطلقت “واشنطن” مع عدد من الشركاء “مبادرة الشراكة من أجل أمن المعادن” عام 2022، التي تضم “الولايات المتحدة” و”الاتحاد الأوروبي” و”اليابان” و”كندا” و”أستراليا” و”كوريا الجنوبية” ودولًا أخرى، بهدف دعم مشروعات المعادن الحيوية وتنويع مصادر الإمداد عالميًا.
جاكرتا.. سياسة عدم الانحياز وكسب الجميع..
رغم احتدام المنافسة بين القوتين الاقتصاديتين، حافظت “إندونيسيا” على سياسة خارجية تقوم على عدم الانحياز، مستفيدة من التنافس الدولي لتعظيم مكاسبها الاقتصادية، فقد أكد الرئيس الإندونيسي السابق “جوكو ويدودو” مرارًا أن بلاده ترحب بالاستثمارات من مختلف الدول، شريطة أن تسهم في التصنيع المحلي، ونقل التكنولوجيا، وخلق فرص العمل، بدلاً من الاكتفاء باستخراج الموارد الطبيعية.
ويرى “جون بوميروي”، (الباحث في مركز ويلسون)، أن “جاكرتا” نجحت في تعزيز قدرتها التفاوضية بفضل امتلاكها أحد أهم المعادن الاستراتيجية عالميًا، ما أتاح لها استقطاب استثمارات من “الصين” و”اليابان” و”كوريا الجنوبية” و”الولايات المتحدة” ودول أخرى دون الانحياز الكامل لأي طرف.
ويؤكد “جون لي”، (الباحث المتخصص في الاقتصاد السياسي الآسيوي)، أن التنافس الحقيقي لم يعد يدور حول استخراج “النيكل” وحده، بل حول الصناعات التي تعتمد عليه، وفي مقدمتها البطاريات والمركبات الكهربائية، وهي قطاعات مرشحة لقيادة النمو الصناعي العالمي خلال العقود المقبلة.
وتشير تقديرات “وكالة الطاقة الدولية” (IEA)، إلى أن الطلب العالمي على النيكل سيواصل الارتفاع مع التوسع في إنتاج السيارات الكهربائية وتقنيات تخزين الطاقة، بينما يرى “البنك الدولي” أن نجاح “إندونيسيا” في تطوير الصناعات التحويلية يمثل نموذجًا للدول النامية الراغبة في الانتقال من تصدير المواد الخام إلى الصناعات ذات القيمة المضافة.
وفي المحصلة، يرى باحثون في “مجلس العلاقات الخارجية”، ومؤسسات بحثية دولية أن “إندونيسيا” أصبحت إحدى أهم ساحات المنافسة الاقتصادية بين “الولايات المتحدة” و”الصين”، فبينما تمتلك “بكين” أفضلية واضحة بفضل استثماراتها المبكرة وتكاملها الصناعي، تسعى “واشنطن” وشركاؤها إلى بناء سلاسل توريد أكثر تنوعًا وأقل اعتمادًا على “الصين”، لتظل “جاكرتا” في قلب معركة ستحدد مستقبل صناعة البطاريات والاقتصاد منخفض الكربون خلال العقود القادمة.
