لماذا تحتفظ مصر بمكانتها في الوجدان العربي والفلسطيني؟
قراءة في التاريخ والقوة الناعمة
- dr-naga
- 9 يوليو، 2026
- تقارير وترجمات
- التاريخ, التحولات السياسية, القوة الناعمة, الوجدان العربي والفلسطيني, مصر, مصر في الوجدان العربي
الرائد: رغم التحولات السياسية الكبرى التي شهدها العالم العربي خلال العقود الأخيرة، لا تزال مصر تحتفظ بمكانة خاصة في الوجدان العربي والفلسطيني، وهي مكانة تشكلت عبر تراكم تاريخي وثقافي وسياسي طويل، ولم ترتبط بمرحلة زمنية واحدة أو بسياسة بعينها. فقد أسهمت عوامل متعددة، من بينها دورها في تأسيس النظام العربي الحديث، وثقلها السكاني، ومؤسساتها التعليمية والدينية، وإنتاجها الثقافي والإعلامي، إلى جانب حضورها المستمر في القضية الفلسطينية، في ترسيخ صورة مصر بوصفها إحدى الدول المحورية في العالم العربي. ويستعرض هذا التقرير أبرز الأسس التاريخية والموضوعية التي تفسر استمرار هذه المكانة، مع التمييز بين الحقائق التاريخية والآراء السياسية.
يصعب تناول التاريخ العربي الحديث دون الوقوف عند الدور الذي لعبته مصر في تشكيل مؤسسات العمل العربي المشترك. فقد كانت من الدول المؤسسة لجامعة الدول العربية عام 1945، واستضافت مقرها في القاهرة، وهو ما منحها موقعاً محورياً في إدارة الملفات العربية لعقود متتالية. كما شاركت في معظم القمم العربية والمبادرات الإقليمية التي تناولت قضايا الأمن القومي العربي، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.
وعلى المستوى الثقافي، احتلت مصر موقعاً متقدماً في الحياة الفكرية العربية طوال القرن العشرين. فقد استقبلت جامعاتها، وعلى رأسها جامعة الأزهر وجامعة القاهرة، آلاف الطلاب العرب، بينما أسهمت دور النشر والصحف والإذاعة ثم التلفزيون والسينما المصرية في انتشار الثقافة العربية الحديثة. وتشير دراسات تاريخ الإعلام العربي إلى أن الإنتاج الثقافي المصري كان الأكثر انتشاراً في المنطقة طوال عقود، وهو ما جعل مفهوم “القوة الناعمة المصرية” واقعاً سبق ظهور المصطلح نفسه في الأدبيات السياسية الحديثة.
وفي كتابه “شخصية مصر”، يربط المفكر والجغرافي المصري جمال حمدان بين الموقع الجغرافي لمصر وخصائصها الحضارية، ويرى أن تفاعل الجغرافيا مع التاريخ منحها دوراً إقليمياً يتجاوز حدودها السياسية. ويعد هذا الكتاب من أبرز الدراسات التي تناولت تفسير المكانة الإقليمية لمصر من منظور جغرافي وتاريخي.
أما في القضية الفلسطينية، فتستند العلاقة المصرية الفلسطينية إلى وقائع تاريخية معروفة. فقد خضع قطاع غزة للإدارة المصرية بين عامي 1948 و1967، قبل أن تحتله إسرائيل في حرب يونيو 1967. وبعد ذلك ظلت القاهرة حاضرة في معظم المحطات السياسية المتعلقة بالقضية الفلسطينية، سواء عبر استضافة جلسات الحوار بين الفصائل الفلسطينية، أو من خلال الوساطة في اتفاقات وقف إطلاق النار بين إسرائيل والفصائل في قطاع غزة.
ومنذ اندلاع الحرب في قطاع غزة في أكتوبر 2023، شاركت مصر مع الولايات المتحدة وقطر في جهود الوساطة الرامية إلى التوصل إلى اتفاقات لوقف إطلاق النار وتبادل الأسرى، كما أصبح معبر رفح المنفذ الرئيسي لدخول جزء كبير من المساعدات الإنسانية إلى القطاع، بالتنسيق مع الأمم المتحدة والمنظمات الدولية. وقد أكدت تقارير الأمم المتحدة بصورة متكررة أهمية استمرار تدفق المساعدات الإنسانية عبر الأراضي المصرية لتخفيف الأزمة الإنسانية في غزة.
ولا يقتصر الحضور المصري على الجانب السياسي، بل يمتد إلى المجال الديني والتعليمي أيضاً. فقد ظل الأزهر الشريف، منذ أكثر من ألف عام، أحد أهم المراكز العلمية في العالم الإسلامي، وتخرج فيه علماء ودعاة وقضاة من مختلف الدول العربية والإسلامية، وأسهم في نشر العلوم الشرعية واللغة العربية، مما عزز الروابط العلمية والثقافية بين مصر ومحيطها العربي.
وفي الدراسات الحديثة للعلاقات الدولية، تُصنف مصر ضمن الدول التي تمتلك عناصر مهمة من القوة الناعمة، وهو المفهوم الذي قدمه الباحث الأمريكي جوزيف ناي للدلالة على قدرة الدول على التأثير عبر الثقافة والتعليم والقيم والمؤسسات، وليس فقط عبر القوة العسكرية أو الاقتصادية. ويرى عدد من الباحثين أن التجربة المصرية تمثل إحدى أبرز حالات القوة الناعمة في الشرق الأوسط، نتيجة تأثيرها الممتد في الإعلام والفنون والتعليم والمؤسسات الدينية.
وتشير هذه الحقائق التاريخية إلى أن الاهتمام العربي، والفلسطيني بصورة خاصة، بالشأن المصري لا يرتبط فقط بالمواقف السياسية الراهنة، وإنما يستند أيضاً إلى إرث طويل من العلاقات والتداخل الثقافي والسياسي والجغرافي. كما أن استمرار مصر في لعب أدوار دبلوماسية في عدد من الملفات الإقليمية يجعلها حاضرة في النقاشات العربية المتعلقة بالأمن والاستقرار والقضية الفلسطينية.
وفي المقابل، فإن تقييم السياسات أو تقدير حجم الدور المصري في مرحلة معينة يظل مجالاً للاجتهاد السياسي وتعدد وجهات النظر، وهو أمر يختلف عن الحقائق التاريخية الثابتة. أما الثابت تاريخياً فهو أن مصر كانت، وما زالت، إحدى الدول المركزية في النظام العربي، وأن حضورها السياسي والثقافي والديني جعلها تحتفظ بمكانة خاصة في الوعي العربي والفلسطيني عبر أجيال متعاقبة.
المصادر
•جمال حمدان، شخصية مصر: دراسة في عبقرية المكان.
•ألبرت حوراني، تاريخ الشعوب العربية.
•جوزيف ناي، Soft Power: The Means to Success in World Politics.
•وثائق جامعة الدول العربية بشأن تأسيس الجامعة عام 1945.
•بيانات الأمم المتحدة، ولا سيما مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA)، بشأن المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة.
•بيانات وزارة الخارجية المصرية حول جهود الوساطة في الحرب على غزة. مستفاد من الذكاء الاصطناعي
