معركة المعادن الحرجة..لماذا أصبحت أستراليا شريكًا إستراتيجيًا لواشنطن؟

وسط رهان على احتياطيات كانبيرا لبناء سلاسل إمداد آمنة بعيدًا عن الصين

أصبحت المعادن الحرجة خلال السنوات الأخيرة إحدى أهم أوراق التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين، بعدما تحولت إلى مكون أساسي في صناعات السيارات الكهربائية والبطاريات وأشباه الموصلات وأنظمة الطاقة المتجددة والتطبيقات الدفاعية.

وفي قلب هذا المشهد برزت أستراليا باعتبارها واحدة من أكبر الدول المالكة لاحتياطيات هذه الموارد، ما منحها موقعًا محوريًا في الجهود الغربية لإعادة رسم سلاسل الإمداد العالمية وتقليل الاعتماد على الهيمنة الصينية في التعدين، والأهم في عمليات التكرير والمعالجة التي تمثل الحلقة الأكثر حساسية في هذه الصناعة.

ثروة معدنية تعزز المكانة الإستراتيجية

تعد «أستراليا» من أكبر منتجي “الليثيوم” في العالم، كما تمتلك احتياطيات كبيرة من “النيكل” و”الكوبالت” و”المنجنيز” والعناصر الأرضية النادرة، وهي معادن تدخل في تصنيع البطاريات والمركبات الكهربائية وتوربينات الرياح والمعدات الدفاعية والإلكترونيات المتقدمة، وتشير بيانات “هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية” (USGS)، و”وكالة الطاقة الدولية” (IEA)، إلى أن الطلب على هذه المعادن مرشح للنمو بوتيرة قوية خلال العقود المقبلة مع تسارع التحول نحو “الطاقة النظيفة”.

ورغم وفرة الموارد الأسترالية، فإن “الصين” لا تزال تهيمن على جزء كبير من عمليات تكرير ومعالجة المعادن الحرجة عالميًا، وهو ما يمنحها موقعًا مؤثرًا داخل سلاسل القيمة الصناعية، لذلك تنظر “الولايات المتحدة” وحلفاؤها إلى “أستراليا” باعتبارها ركيزة أساسية في استراتيجية تنويع مصادر الإمداد، ليس فقط عبر استخراج الخام، وإنما أيضًا من خلال تطوير قدرات المعالجة والتصنيع داخل “أستراليا” أو في دول شريكة.

واشنطن وكانبيرا.. شراكة تتجاوز التعدين

شهد التعاون بين “الولايات المتحدة” و”أستراليا” في «قطاع المعادن الحرجة» توسعًا ملحوظًا خلال الأعوام الأخيرة، خاصة بعد توقيع “اتفاقية المناخ والمعادن الحرجة” عام 2023، إلى جانب تعزيز التعاون ضمن الحوار الأمني الرباعي “كواد” (QUAD) الذي يضم “الولايات المتحدة” و”أستراليا” و”اليابان” و”الهند”، والذي تأسس لأول مرة عام 2007، ثم أُعيد إحياؤه عام 2017، حيث أصبحت مرونة سلاسل الإمداد أحد المحاور الرئيسية للتنسيق الاقتصادي والأمني.

ويرى “جيفري ويلسون”، (مدير الأبحاث في معهد السياسة الإستراتيجية الأسترالي)، أن امتلاك “أستراليا” للموارد الطبيعية يمنحها أهمية إستراتيجية متزايدة، لكنه يؤكد أن التحدي الحقيقي يتمثل في بناء صناعات التكرير والتصنيع، لأن القيمة الاقتصادية الأكبر تتحقق في المراحل اللاحقة لاستخراج الخام، وهي المجالات التي ما زالت “الصين” تتفوق فيها بصورة واضحة.

كما تؤكد تقارير “مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية” (CSIS) أن بناء سلاسل إمداد مستقلة يتطلب استثمارات ضخمة تمتد من التعدين إلى التكرير ثم التصنيع، لأن الاكتفاء بنقل عمليات الاستخراج خارج “الصين” لن يحقق الهدف الإستراتيجي المتمثل في تقليص الاعتماد على “بكين”.

توازن اقتصادي وسط منافسة جيوسياسية

أثار الحضور الصيني في «قطاع التعدين الأسترالي» نقاشًا سياسيًا واسعًا خلال السنوات الأخيرة، خصوصًا مع تشديد الحكومة الأسترالية مراجعة بعض الاستثمارات الأجنبية في القطاعات المرتبطة بالمعادن الحرجة والبنية التحتية والتكنولوجيا، في إطار اعتبارات الأمن القومي.

ولكن في المقابل.. لا تزال الصين أكبر شريك تجاري لـ”أستراليا”، وهو ما يفرض على “كانبيرا” موازنة دقيقة بين مصالحها الاقتصادية وتحالفها الأمني مع “الولايات المتحدة”، وترى “إليزابيث برو”، (الباحثة في المجلس الأطلسي)، أن “أستراليا” تمثل نموذجًا واضحًا لتداخل الاقتصاد مع الأمن القومي، إذ يصعب الفصل بين العلاقات التجارية مع “الصين” والاعتبارات الإستراتيجية المرتبطة بالتحالفات الغربية.

من جانبها، تؤكد “الصين” أن القيود المفروضة على بعض استثماراتها في قطاع المعادن تمثل تسييسًا للتجارة الدولية، مشيرة إلى أن خبراتها واستثماراتها لعبت دورًا رئيسيًا في تطوير صناعة معالجة المعادن عالميًا، في المقابل.. ترى “واشنطن” أن تنويع مواقع التكرير والتصنيع أصبح ضرورة لتقليل المخاطر المرتبطة بتركيز هذه الصناعات في دولة واحدة.

ومع توقع “وكالة الطاقة الدولية” استمرار النمو القوي في الطلب على المعادن الحرجة خلال العقود المقبلة، تبدو “أستراليا” مرشحة لتعزيز مكانتها كلاعب رئيسي في الاقتصاد العالمي الجديد، غير أن نجاح الإستراتيجية الغربية لن يعتمد على وفرة الموارد وحدها، بل على بناء منظومة صناعية متكاملة قادرة على منافسة القدرات الصينية في مراحل المعالجة والتصنيع، وهي المعركة التي ستحدد مستقبل سلاسل الإمداد العالمية خلال العقود المقبلة.

اترك تعليقا