الخطأ الاستراتيجي من التدخل الإيراني في سوريا

الفجوة بين الشعارات والواقع وتداعياته على المشروع الإقليمي

الرائد: يمثل التدخل الإيراني في سوريا، وفق قراءات سياسية وتاريخية واسعة، واحدة من أكبر الهزات الاستراتيجية والأيديولوجية التي تعرض لها المشروع الإيراني منذ تأسيس الجمهورية الإسلامية عام 1979. فقد تحول هذا التدخل من مجرد عملية إنقاذ لنظام حليف إلى ورطة كلفت طهران غالياً على كافة الصعد، وكان الغطاء الطائفي الذي تم توظيفه أشد تدميراً للنفوذ الإيراني وسمعتها من ترسانتها الصاروخية والباليستية مجتمعة. إن ما حدث في سوريا لم يكن مجرد حرب بالوكالة، بل كان انتحاراً أيديولوجياً كشف التناقض الصارخ بين شعارات طهران وممارساتها على الأرض.

أولاً: الخلفية التاريخية والتناقضات الأيديولوجية
تاريخياً، استندت الشرعية الأيديولوجية للنظام الإيراني إلى ركيزتين أساسيتين؛ الأولى هي نصرة المستضعفين والوقوف في وجه الطغاة، والثانية هي الطابع الثوري الرافض للواقع والساعي للتغيير الاجتماعي والسياسي. ولكن مع اندلاع الثورة السورية عام 2011، وجدت طهران نفسها أمام مفارقة وجودية دمرت هذه الأسس.

إن المنهج الشيعي السياسي يقوم في أدبياته على نصرة المظلوم، وهو ما يجعل دعم نظام الأسد، الذي وثقت تقارير دولية وحقوقية ارتكابه لأبشع المجازر بحق شعبه، يمثل تناقضاً صارخاً. فقد قارن مراقبون ومفكرون هذا التناقض بالتاريخ الإسلامي، مشيرين إلى أن إيران التي ترفع شعار النصرة الحسينية ألف عام ويزيد، دعمت في سوريا من تجاوز في طغيانه وفساده رموزاً تاريخية مثل ابن زياد ويزيد.

ومن المفارقات أيضاً أن إيران، التي ولدت من رحم ثورة شعبية ضد الاستبداد، تحولت إلى أداة لقمع ثورة شعب سوري عانى لعقود من الفساد والفقر والتهميش، متواطئة مع نظام يُحتمل أن يكون قد فرط في سيادة البلاد ومقدراتها.

ثانياً: إحراق ورقة المقاومة وتعبئة الميليشيات
على المستوى التنظيمي والجهادي، أدى هذا التدخل إلى إحراق ورقة حزب الله في لبنان، وهو المكسب الاستراتيجي الأبرز للمشروع الإيراني. فالذي نشأ كحزب مقاومة وطني وإسلامي عابر للطوائف، وحافظ لسنوات على خطاب جامع وتجنب إظهار أي بادرة طائفية في مواجهاته مع العدو الإسرائيلي، تحول بفعل التدخل في سوريا إلى ميليشيا طائفية بامتياز.

وقد تجلى هذا التحول في الخطاب الرسمي للأمين العام للحزب، الذي أسقط المحظورات وتبنى خطاباً طائفياً صريحاً وعنيفاً، مما أنهى سنوات من الجهد لبناء صورة حزبية جامعة. كما تم توظيف الخطاب الديني لتعبئة الميليشيات الشيعية من كافة أنحاء المنطقة تحت شعارات حماية المراقد، ولا سيما مقام السيدة زينب. وقد تغافلت هذه الميليشيات عمداً عن حقيقة أن هذا المقام كان يعيش في ظل أسر حقيقي لنظام قمعي، وأن المدافعين عنه يقاتلون أبناء البلد الذي يحتضن هذا المقام، مما حول مفهوم حماية المقدسات إلى غطاء لتبرير القتل والتدمير.

ثالثاً: تقييمات مراكز الأبحاث العربية والغربية
تناولت مراكز الأبحاث المتخصصة هذا التحول بعمق، مؤكدة أن التدخل السوري كان نقطة التحول السلبي في المشروع الإيراني.

على الصعيد الغربي، يشير مركز كارنيجي للشرق الأوسط في دراساته إلى أن التدخل السوري دمر الصورة الذهنية لحزب الله كمقاومة إسلامية جامعة، وحوله إلى فاعل طائفي، مما أفقده تعاطف الشارع العربي والإسلامي بشكل لا يمكن إصلاحه بسهولة. بينما توضح مجموعة الأزمات الدولية في تقاريرها أن التكلفة البشرية والمالية الهائلة في سوريا استنزفت الموارد الإيرانية، وخلقت حالة من السخط الداخلي، مما يجعل هذه المغامرة واحدة من أكبر الأخطاء الاستراتيجية لطهران.

أما على الصعيد العربي، فيركز المركز العربي في واشنطن في تحليلاته على أن الغطاء الطائفي الذي استخدمته إيران والميليشيات التابعة لها في سوريا أدى إلى استيقاظ النعرات الطائفية في المنطقة، مما دمر أي فرصة للنفوذ الناعم الإيراني في المشرق العربي. من جانبه، يسلط مركز المسبار للدراسات والبحوث الضوء على تفكيك سردية حماية المراقد، موضحاً أن التعبئة المذهبية كانت أداة لتبرير التدخل الإمبراطوري الإيراني وليس حماية للدين أو المقدسات.

رابعاً: التصريحات السياسية والمواقف الإقليمية
في تصريحات صحفية، أكد دبلوماسيون غربيون وعرب أن التدخل الإيراني في سوريا لم يكن لحماية المراقد أو نصرة المظلوم، بل كان مشروعاً هيمنة بغطاء ديني، مما كشف التناقض بين الشعارات والممارسة. وشدد مسؤولون إقليميون على أن إيران دعمت طاغية ضد شعبه، مما أسقط عنها ادعاءات الثورية والعدالة الاجتماعية.

كما أكدت تصريحات لكتاب ومحللين سوريين وعرب أن النظام الإيراني والميليشيات الموالية له ارتكبوا جرائم تحت غطاء طائفي مقيت كان أشد فتكاً من الصواريخ، حيث تم تدمير النسيج الاجتماعي السوري وتحويل الصراع إلى حرب دينية بامتياز، وهو ما سيبقى وصمة عار في تاريخ المشروع الإيراني.

خامساً: التوقعات المستقبلية
بناء على المعطيات الحالية، يمكن رصد عدة توقعات لتداعيات هذا التدخل على المستقبل:

أولاً: استمرار التآكل الاستراتيجي للمشروع الإيراني في المنطقة، حيث فقدت طهران قدرتها على تسويق نفسها كحاضنة للمظلومين، لتصبح في نظر الكثيرين داعمة للطغاة وقامعة للثورات.

ثانياً: صعوبة استعادة حزب الله أو أي ميليشيا شيعية مسلحة لصورتها السابقة كحركات مقاومة جامعة، حيث ترسخ في الوعي الجمعي العربي والإسلامي طابعها الطائفي والمذهبي، مما يضعف قدرتها على التجنيد أو كسب التعاطف الشعبي.

ثالثاً: استمرار حالة الاستنزاف المالي والبشري لإيران، مما يفاقم الأزمات الداخلية ويضعف قدرتها على projec قوتها خارج حدودها، ويحد من قدرتها على تهديد جيرانها أو القوى الدولية.

رابعاً: إعادة رسم خارطة التحالفات في المشرق العربي، حيث تسعى الدول الإقليمية إلى قطع دابر التأثير الإيراني وتفكيك شبكات الميليشيات التي تم تعبئتها تحت شعارات دينية، لمنع تكرار سيناريو الفوضى والهيمنة الطائفية.

إن قراءة تداعيات التدخل الإيراني في سوريا تؤكد أنه لم يكن مجرد مغامرة جيوسياسية فاشلة، بل كان كارثة أيديولوجية. فقد أحرق الغطاء الطائفي المقيت ما تبقى من شرعية ثورية أو دينية، وحول أدوات المقاومة المزعومة إلى أدوات قمع وطغيان. لقد ترك هذا التدخل إرثاً من الدمار وصدمة في الوعي الجمعي، مؤكداً أن الدم الذي سُفك تحت شعارات باطلة لن يغسله سوى الاعتراف بحجم الخطأ التاريخي والاستراتيجي الذي ارتُكب بحق سوريا وبالحق المشروع لشعوب المنطقة في الحرية والكرامة.

المصادر والمراجع الحقيقية:

1. مركز كارنيجي للشرق الأوسط (Carnegie Middle East Center): دراسات وأبحاث ضمن برنامج الشرق الأوسط حول تحول حزب الله من حركة مقاومة إلى فاعل طائفي، وتداعيات التدخل الإيراني في سوريا على الصورة الذهنية للمحور.
2. مجموعة الأزمات الدولية (International Crisis Group): تقارير متتابعة حول التكلفة الاستراتيجية والبشرية للتدخل الإيراني في سوريا، وانعكاسات هذا الاستنزاف على الداخل الإيراني والميزان الإقليمي.
3. المركز العربي في واشنطن (Arab Center Washington DC): تحليلات وموجزات سياسات حول الغطاء الطائفي للميليشيات في سوريا، وتأثيره المدمر على النفوذ الناعم الإيراني في المشرق العربي.
4. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى (The Washington Institute for Near East Policy): أبحاث تتناول التناقض بين الشعارات الإيرانية وممارساتها في دعم الأنظمة الاستبدادية وقمع الثورات الشعبية.
5. مركز المسبار للدراسات والبحوث: دراسات تركز على الخطاب الديني والسياسي للميليشيات في سوريا، وتفكيك سردية حماية المراقد وكشف الأبعاد الحقيقية للتعبئة المذهبية.
6. معهد الشرق الأوسط (Middle East Institute): تقارير حول استنزاف الموارد الإيرانية في سوريا وتأثير ذلك على قدرات طهران الاستراتيجية والداخلية على المدى الطويل. مستفاد من الذكاء الاصطناعي

اترك تعليقا