خرجت الدول الأوروبية الأعضاء في حلف شمال الأطلسي (الناتو) من قمة أنقرة بقدر من الارتياح، بعدما نجحت في انتزاع تأكيد أميركي واضح على استمرار التزام واشنطن بالدفاع الجماعي، رغم التوترات التي سبقت الاجتماعات بسبب انتقادات الرئيس الأميركي دونالد ترمب للحلفاء الأوروبيين ومطالباته المتكررة بزيادة مساهماتهم الدفاعية.
وشهدت الساعات الأولى من القمة تصعيداً في لهجة ترمب، الذي انتقد بعض الدول الأوروبية بسبب ما اعتبره تقاعساً عن تقاسم الأعباء العسكرية، وهاجم إسبانيا على خلفية موقفها من الإنفاق الدفاعي، كما كرر مواقفه بشأن غرينلاند والملف الإيراني. إلا أن الأجواء تغيرت مع اختتام الاجتماعات، حيث وصف الرئيس الأميركي القمة بأنها “ناجحة للغاية”، مؤكداً أن الحلف أظهر قدراً كبيراً من الوحدة والتماسك. وتُعد هذه الرسائل بمثابة تطمين للحلفاء الذين راودتهم مخاوف بشأن مستقبل الالتزام الأميركي بأمن القارة الأوروبية.
وشكل “إعلان أنقرة” أبرز مخرجات القمة، بعدما أعاد التأكيد على الالتزام الكامل بالمادة الخامسة من معاهدة الناتو، التي تنص على أن أي اعتداء على دولة عضو يُعد اعتداءً على جميع أعضاء الحلف. كما أكد البيان أن روسيا لا تزال تمثل تهديداً طويل الأمد للأمن والاستقرار في المنطقة الأوروبية الأطلسية، في رسالة تعكس استمرار التوافق بين الحلفاء بشأن مواجهة التحديات الأمنية القادمة.
في المقابل، لم تأتِ هذه التطمينات من دون مقابل. فقد دفعت الدول الأوروبية نحو توسيع إنفاقها العسكري وتسريع برامج تحديث جيوشها، إلى جانب الإعلان عن عقود دفاعية ضخمة تستفيد منها شركات الصناعات العسكرية الغربية، وعلى رأسها الشركات الأميركية. ويواصل ترمب اعتبار زيادة مساهمات الحلفاء في الإنفاق الدفاعي أحد أبرز معايير استمرار الدور الأميركي داخل الحلف.
أما الملف الأوكراني، فحافظ على موقعه في صدارة أجندة القمة. وأكد قادة الناتو استمرار دعم كييف سياسياً وعسكرياً، فيما وافق ترمب مبدئياً على توسيع التعاون في مجال إنتاج منظومات مرتبطة بالدفاع الجوي، بما يشمل صواريخ “باتريوت”، دون أن تتعهد الولايات المتحدة بتمويل الحزمة الجديدة من المساعدات العسكرية، التي تتحمل الدول الأوروبية وكندا النصيب الأكبر منها.
ورغم الأجواء الإيجابية التي خيمت على ختام القمة، لا تزال العواصم الأوروبية تنظر بحذر إلى سياسات الإدارة الأميركية، في ظل استمرار النقاش داخل الاتحاد الأوروبي حول تعزيز القدرات الدفاعية الذاتية وتقليل الاعتماد على واشنطن، سواء عبر زيادة الاستثمار في الصناعات العسكرية أو تطوير آليات ردع أوروبية أكثر استقلالية.
وتعكس نتائج قمة أنقرة نجاحاً مؤقتاً في احتواء الخلافات داخل الحلف، لكنها في الوقت نفسه تؤكد أن العلاقة عبر الأطلسي باتت تقوم بصورة متزايدة على معادلة جديدة تجمع بين استمرار المظلة الأمنية الأميركية، مقابل تحمل أوروبا مسؤولية أكبر في تمويل أمنها والدفاع عن حدودها، وهي معادلة يُتوقع أن تظل محور النقاش داخل الناتو خلال السنوات المقبلة.