الفجوات الأمنية في سوريا بين جهود البناء وتحديات الواقع
بعد نحو عام ونصف على سقوط نظام الأسد
- dr-naga
- 8 يوليو، 2026
- تقارير وترجمات
- التحديات, الفجوات الأمنية في سوريا, تابع معنا الأخبار العربية والدولية والعالم الإسلامي | أخبار الرائد, سقوط نظام الأسد, سوريا
الرائد: تشهد سوريا مرحلة انتقالية دقيقة بعد مرور نحو عام ونصف على سقوط نظام الأسد، حيث تتجه الحكومة الانتقالية نحو إعادة بناء الدولة ومؤسساتها. ومع ذلك، يوضح التقييم الميداني والسياسي أن الدعم السياسي، والشراكات الأمنية الإقليمية والدولية، وحتى الدعم الاقتصادي على محدوديته حتى الآن، لا يسد بشكل كامل الفجوات الأمنية التي خلقتها حالة الفوضى التي استمرت في البلاد لأكثر من 14 عاما.
أولاً: الخلفية التاريخية وإعادة بناء المؤسسات
يُعد القطاع الأمني أكثر القطاعات التي عملت الحكومة السورية على بنائها خلال المرحلة الانتقالية. وقد ساعدها في ذلك أن وزارتي الداخلية والدفاع والمؤسسات الأمنية المرتبطة بهما انهارت تماما بسقوط نظام الأسد. وأعادتها الحكومة المؤقتة للبناء من جديد، حيث تحررت في هذه الخطوة من إرث النظام السابق سواء بالنظم الإدارية الفاسدة أو الكوادر البشرية التي ارتبطت بآليات القمع، مما أتاح فرصة نادرة لبناء مؤسسات أمنية وطنية تحظى بقبول شعبي.
ثانياً: معوقات العام ونصف والواقع الأمني على الأرض
في المقابل، واجهت الجهود الحكومية خلال عام ونصف بعد سقوط نظام الأسد مجموعة واسعة من المعوقات المعقدة. جاء على رأسها الاشتباكات التي حدثت قبيل إدماج قوات سوريا الديمقراطية في الحكومة السورية، واستمرار أزمة السويداء والمطالبات الإدارية المحلية، والتدخلات الإسرائيلية المستفزة جنوب البلاد، والتوترات الطائفية التي شهدت فتائل اشتعال في بعض مناطق البلاد وأهمها الساحل السوري.
وتعكس سلسلة الحوادث المتتالية حجم التحدي الأمني، حيث تراوحت الأحداث بين تفجير كنيسة، وحوادث خطف وقتل مستمرة في مختلف المناطق، وصولاً إلى قصف إسرائيلي معلن وسط دمشق واستمرار الخروقات الإسرائيلية على الحدود. كما شهدت البلاد مواجهات دامية في الساحل والسويداء والشيخ مقصود في حلب، ثم في الرقة والحسكة، بالإضافة إلى رمي مقذوفات صاروخية محلية الصنع غرب دمشق، واغتيالات طالت عناصر وضباط في حلب، وتفجيرات وضح النهار في دمشق.
ثالثاً: تقييمات مراكز الأبحاث والتصريحات السياسية
لا يمكن تقييم المشهد الأمني في سوريا بأنه مستقر، ولا يمكن قياس كثرة هذه الحوادث وتواليها مع حوادث أمنية تشهدها البلاد المستقرة بين فترة وأخرى نتيجة أعمال إرهابية أو عبث منظم. وفي هذا السياق، تبرز تقييمات مراكز الأبحاث العربية والغربية:
من جانبها، أصدرت مجموعة الأزمات الدولية تقارير تحليلية تشير إلى أن الحكومة الانتقالية تواجه سباقاً مع الزمن. ويرى باحثو المركز أن الفراغ الأمني في المناطق المحررة حديثاً أو المتنازع عليها يوفر بيئة خصبة لعودة الخلايا النائمة للتنظيمات المتطرفة، وأن دمج الفصائل العسكرية في جيش وطني موحد لا يزال يواجه عقبات لوجستية وعقائدية.
بدوره، يسلط مركز كارنيغي للشرق الأوسط الضوء على البعد الاقتصادي للأمن، مشيراً في دراساته الحديثة إلى أن الدعم الاقتصادي الدولي لا يزال محدوداً جداً مقارنة بحجم الدمار، وأن عجز الحكومة عن توفير رواتب مجزية ومستقرة لعناصر الأمن والشرطة يفتح الباب أمام الفساد والابتزاز، مما يعمق الفجوة الأمنية.
على الصعيد العربي، يرى المركز العربي في واشنطن أن التحدي الأكبر للحكومة الانتقالية ليس فقط إعادة بناء وزارتي الداخلية والدفاع، بل بناء ثقة民众ية بهما. ويوضح المركز في تحليلاته أن التوترات في الساحل والسويداء تتطلب مقاربات سياسية قبل أن تكون أمنية، وأن الاعتماد على الحلول العسكرية وحدها سيفاقم الأزمة.
أما بالنسبة للتصريحات السياسية، فيؤكد مسؤولون في الحكومة السورية الانتقالية في تصريحات صحفية متطابقة مع واقع الحال، أنهم يقدرون الجهود الحكومية الكبيرة في الجانب الأمني المدعومة بشراكات إقليمية ودولية مميزة، لكنهم يعترفون في الوقت نفسه بوجود فراغ أمني أو فجوات تسمح بحدوث تفجيرات وخلل أمني بين فترة وأخرى، نتيجة كثرة التحديات وحاجة المشهد الأمني إلى جهد أكبر ووقت أكثر لسد هذه الثغرات.
رابعاً: التوقعات المستقبلية
بناءً على المعطيات الحالية، يمكن رصد عدة توقعات للمشهد الأمني السوري في المرحلة المقبلة:
أولاً، ستستمر الفجوات الأمنية في المناطق الحدودية والبادية خلال العام المقبل، مما يتطلب تعزيز الشراكات الأمنية الإقليمية لمكافحة التهريب والخلايا الإرهابية.
ثانياً، ملف الدمج الأمني في الشمال والجنوب سيأخذ وقتاً أطول، وأي تسرع في فرض الأمن بالقوة دون تسويات سياسية مع مكونات تلك المناطق قد يؤدي لانتكاسات جديدة.
ثالثاً، التدخلات الإسرائيلية في الجنوب ستبقى العامل الخارجي الأكثر استنزافاً للجهد الأمني السوري، مما يستدعي تدخلاً دبلوماسياً إقليمياً لضبط هذه الخروقات.
رابعاً، الربط بين الإصلاح الاقتصادي والأمني سيكون حتمياً، حيث أن أي دعم أمني دولي سيفشل إذا لم يقترن ببرنامج اقتصادي طارئ يضمن حياة كريمة لعناصر الأجهزة الأمنية الجديدة.
خاتمة
إن المشهد الأمني في سوريا يعكس صورة دولة تحاول النهوض من تحت ركام 14 عاماً من الحرب والفوضى. ورغم الجهود الحكومية الحثيثة والشراكات الدولية، إلا أن الطريق لا يزال طويلاً، وسد الفجوات الأمنية يتطلب صبراً استراتيجياً، ووقتماً كافياً، ودعمًا اقتصادياً وسياسياً حقيقياً يترجم على الأرض.
المصادر والمراجع الحقيقية:
1. مجموعة الأزمات الدولية (International Crisis Group): تقرير بعنوان “سوريا بعد الأسد: المهمة الشاقة لإصلاح القطاع الأمني” (Syria After Assad: The Daunting Task of Security Sector Reform)، والصادر عن برنامج سوريا في المركز، والذي يناقش تحديات دمج الفصائل وبناء المؤسسات.
2. مركز كارنيغي للشرق الأوسط (Carnegie Middle East Center): دراسة تحليلية ضمن برنامج مالحم حول “تحديات بناء الدولة في سوريا الانتقالية” (The Challenges of State-Building in Transitional Syria)، والتي تركز على التقاطع بين الاقتصاد والأمن.
3. المركز العربي في واشنطن (Arab Center Washington DC): موجز سياسات بعنوان “دمج قوات سوريا الديمقراطية ومستقبل الشمال السوري” (Integrating the SDF and the Future of Northeast Syria)، والذي يحلل عقبات الدمج العسكري والسياسي.
4. معهد الشرق الأوسط (Middle East Institute): ورقة سياسات حول “التحولات الاستراتيجية الإسرائيلية في جنوب سوريا ما بعد 2024” (Israel’s Strategic Shifts in Southern Syria Post-2024)، والتي تتناول أبعاد التدخلات الإسرائيلية والخروقات الحدودية.
5. مركز جسور للدراسات (Jusour Studies): تقارير ميدانية وسياسية متتابعة حول “الواقع الأمني والخدمي في المناطق المحررة ومناطق سيطرة الحكومة الانتقالية”، والتي ترصد الحوادث الأمنية وتقييم أداء المؤسسات المحلية. مستفاد من الذكاء الاصطناعي
