أمريكا والصين تتنافسان على مثلث الليثيوم

الليثيوم يحول الأرجنتين وتشيلي وبوليفيا إلى محور للتنافس العالمي.

مع تسارع التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة، لم تعد المنافسة بين القوى الكبرى تقتصر على النفط والغاز أو الممرات البحرية، بل انتقلت إلى معركة جديدة عنوانها المعادن الحرجة، وفي مقدمتها الليثيوم، الذي يُعد المكون الأساسي في بطاريات السيارات الكهربائية وأنظمة تخزين الطاقة والأجهزة الإلكترونية الحديثة. وفي قلب هذه المنافسة يبرز مثلث الليثيوم في أمريكا الجنوبية، الذي يضم الأرجنتين وتشيلي وبوليفيا، باعتباره أحد أهم الأقاليم الغنية بهذا المعدن، ما جعله محورًا متقدمًا للتنافس الاقتصادي والجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين.

وتشير تقديرات هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية (USGS) إلى أن دول المثلث تمتلك أكثر من نصف الموارد العالمية المعروفة من الليثيوم، وهو ما يمنحها أهمية متزايدة في ظل الارتفاع المستمر في الطلب العالمي على البطاريات وتقنيات الطاقة النظيفة. وبينما تتصدر تشيلي قائمة أكبر المنتجين عالميًا إلى جانب أستراليا والصين، تمتلك بوليفيا موارد ضخمة لم تُستغل بالكامل بعد، فيما تواصل الأرجنتين تعزيز مكانتها باعتبارها إحدى أسرع الدول نموًا في إنتاج الليثيوم بفضل تدفق الاستثمارات الأجنبية.

ويأتي هذا الاهتمام العالمي في وقت تتوقع فيه وكالة الطاقة الدولية (IEA) تضاعف الطلب على الليثيوم عدة مرات خلال العقود المقبلة، مدفوعًا بالتوسع في صناعة السيارات الكهربائية، والتوجه نحو تقليل الانبعاثات الكربونية، والاستثمارات الضخمة في شبكات الكهرباء الذكية وأنظمة تخزين الطاقة.

وخلال العقد الماضي، عملت الصين على بناء نفوذ واسع داخل قطاع الليثيوم العالمي، ليس فقط من خلال الاستثمار في المناجم، وإنما أيضًا عبر السيطرة على حلقات التصنيع والمعالجة. فقد ضخت شركات صينية، من بينها Ganfeng Lithium وTianqi Lithium، استثمارات كبيرة في مشروعات التعدين داخل الأرجنتين وتشيلي، كما عززت حضورها في قطاع تصنيع البطاريات، ما منح بكين موقعًا متقدمًا في سلاسل القيمة العالمية.

ويعتمد النموذج الصيني على دمج استخراج المواد الخام مع عمليات التكرير والتصنيع، الأمر الذي يسمح بإنتاج البطاريات داخل الصين ثم تصديرها إلى الأسواق العالمية. ولهذا أصبحت بكين لاعبًا رئيسيًا في قطاع السيارات الكهربائية، ليس فقط بسبب امتلاكها المعادن، وإنما لقدرتها على تحويلها إلى منتجات صناعية ذات قيمة مضافة عالية.

في المقابل، تنظر الولايات المتحدة إلى هذه الهيمنة باعتبارها تحديًا استراتيجيًا يمس أمنها الصناعي والتكنولوجي. ومن هنا، تبنت واشنطن سياسة تهدف إلى تنويع مصادر المعادن الحرجة وتقليل الاعتماد على الصين، عبر تعزيز الشراكات مع الدول المنتجة وتشجيع الاستثمار في التعدين والمعالجة داخل الدول الحليفة.

وشكل قانون خفض التضخم الأمريكي (Inflation Reduction Act) الصادر عام 2022 نقطة تحول في هذا المسار، إذ ربط جزءًا من الحوافز المقدمة لمصنعي السيارات الكهربائية باستخدام معادن مستخرجة أو معالجة في الولايات المتحدة أو في دول ترتبط معها باتفاقيات وشراكات اقتصادية، في خطوة استهدفت إعادة تشكيل سلاسل الإمداد العالمية.

ويؤكد خبراء في مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية (CSIS) أن المنافسة على الليثيوم أصبحت جزءًا من مفهوم الأمن القومي، بعدما باتت المعادن الحرجة عنصرًا أساسيًا في الصناعات الدفاعية والتكنولوجيا المتقدمة والتحول إلى الاقتصاد الأخضر.

وفي الوقت نفسه، يرى باحثون في مركز ويلسون أن أمريكا اللاتينية أصبحت تمثل حلقة رئيسية في إعادة رسم خريطة الاقتصاد العالمي، إذ تمتلك الموارد التي تحتاجها الاقتصادات الصناعية، لكنها تواجه تحديًا يتمثل في كيفية تحقيق أكبر قيمة مضافة من هذه الثروات، بدلًا من الاكتفاء بتصدير المواد الخام.

وتعكس السياسات التي تتبناها دول المثلث هذا التحدي. ففي تشيلي، أعلنت الحكومة استراتيجية جديدة تمنح الدولة دورًا أكبر في إدارة قطاع الليثيوم من خلال شراكات مع القطاع الخاص، بهدف تحقيق توازن بين جذب الاستثمارات وتعظيم العوائد الوطنية. أما الأرجنتين، فتواصل استقطاب الشركات العالمية لتطوير المناجم في شمال البلاد، مستفيدة من بيئة استثمارية أكثر انفتاحًا. وفي بوليفيا، لا تزال الحكومة تسعى إلى استغلال مواردها الضخمة عبر التعاون مع شركاء دوليين، إلا أن ضعف البنية التحتية والتحديات التقنية والتمويلية يؤخران تحولها إلى لاعب رئيسي في السوق العالمية.

ورغم الفرص الاقتصادية الكبيرة، يواجه قطاع الليثيوم تحديات بيئية متزايدة، إذ تعتمد عمليات الاستخراج في كثير من الأحيان على كميات كبيرة من المياه الجوفية، خاصة في الصحارى المالحة التي تنتشر فيها رواسب الليثيوم. ويثير ذلك مخاوف المجتمعات المحلية والمنظمات البيئية بشأن تأثير التعدين على الموارد المائية والتنوع البيولوجي، ما يدفع الحكومات إلى تشديد المعايير البيئية وربط التوسع في الإنتاج بمبادئ التنمية المستدامة.

ويرى خبراء اقتصاديون أن مستقبل دول مثلث الليثيوم لن يعتمد فقط على حجم الموارد التي تمتلكها، بل على قدرتها على بناء صناعات متكاملة تشمل تكرير الليثيوم وتصنيع مكونات البطاريات وجذب التكنولوجيا والاستثمارات طويلة الأجل. فالقيمة الاقتصادية الحقيقية لم تعد تكمن في تصدير الخام، وإنما في تطوير سلاسل إنتاج قادرة على المنافسة عالميًا.

وفي ظل احتدام المنافسة بين واشنطن وبكين، تبدو الأرجنتين وتشيلي وبوليفيا أمام فرصة تاريخية لإعادة صياغة دورها في الاقتصاد العالمي. فالمعادن الحرجة أصبحت اليوم تمثل ما كان يمثله النفط في القرن الماضي، وأصبحت السيطرة على سلاسل إمدادها جزءًا من معادلة النفوذ الدولي. وبينما تسعى الولايات المتحدة إلى تقليص الفجوة مع الصين في هذا القطاع، تواصل بكين تعزيز استثماراتها للحفاظ على تفوقها الصناعي، ما يجعل مثلث الليثيوم إحدى أبرز ساحات المنافسة الجيوسياسية والاقتصادية خلال العقود المقبلة، حيث تتقاطع اعتبارات الأمن القومي مع التحول الأخضر ومستقبل التكنولوجيا العالمية.