جملة “فخ ثوسيديديس” في كلمة الرئيس الصيني
عامر الكبيسي يكتب
- dr-naga
- 15 مايو، 2026
- حوارات ومقالات
- أثينا, أمريكا, إسبرطة, الذكاء الاصطناعي, الرئيس الصيني, الرقائق الإلكترونية, الصين, بحر إيجة, جملة “فخ ثوسيديديس", عامر الكبيسي, قوة اقتصادية وتجارية وتقنية
مع أول كلمات الرئيس الصيني لترمب! رمى مصطلحا تاريخيا رهيبا وذكيا جدا، وكنت أستمع لكلامه بالترجمة الإنكليزية، ويبدو أن المترجم لم يلتقط الدقة الكاملة لوصفه التاريخي بكلمتين فقط حين قال:
“فخ ثوسيديديس”.
وبالرجوع إلى نحو ألفين وأربعمئة سنة إلى الوراء، على بحر إيجة، بدأت واحدة من أخطر قصص التاريخ السياسي. كانت إسبرطة قوة عسكرية قاسية، شديدة التنظيم، تعرف القتال والغزو والانضباط الحديدي. وفي الجهة الأخرى، بدأت مدينة جديدة بالصعود اسمها أثينا، تنشر العلوم والفنون والفلسفة، وتبني السفن والأسواق والمرافئ، حتى لمع نجمها بسرعة مذهلة.
إسبرطة نظرت إلى أثينا بخوف لا بإعجاب، وقالت في داخلها: “إذا تركنا هذه المدينة تكبر أكثر، فسوف تسحقنا لاحقا.” ومن هنا بدأت التحرشات السياسية والعسكرية، ثم اندلعت الحرب البيلوبونيسية سنة 431 قبل الميلاد، واستمرت قرابة 27 عاما، وغيرت وجه اليونان القديمة كلها.
وسأقول لاحقا من الذي انتصر فيها… كنوع من الفخ لك لتكمل قراءة المقال.
ومنذ ذلك الزمن، ظهر مصطلح سياسي فلسفي يعرف بـ”فخ ثوسيديديس”، نسبة إلى المؤرخ الإغريقي Thucydides، ويعني أن وجود قوة قديمة مهيمنة يجعلها قطعا تخاف بشدة من أي قوة جديدة صاعدة وذكية، فتسارع إلى قتالها قبل أن يكتمل صعودها، خوفا من أن تصبح هي القوة المسيطرة لاحقا.
ولذلك، أعاد الرئيس الصيني استخدام المصطلح أمام ترمب، وكأنه يقول له:
“يا سيد ترمب، أنتم إسبرطة الجديدة؛ قوة عسكرية مهيمنة تخاف من أي منافس صاعد. وأنا أثينا الجديدة؛ قوة اقتصادية وتجارية وتقنية صاعدة بسرعة مذهلة. ولذلك، فإن المشكلة ليست في الصين، بل في خوف أمريكا من صعود الصين. وهذه الجلسات والمفاوضات قد تؤخر الصدام، لكنها لا تلغي سنن التاريخ.”
والحقيقة أن وصفه كان ذكيا جدا، بل مرعبا في دقته، لأن العلاقة الحالية بين أمريكا والصين تشبه إلى حد مذهل علاقة إسبرطة وأثينا:
قوة قديمة تملك الهيمنة العسكرية والبحرية، وقوة جديدة تملك الاقتصاد والتجارة والتقنية وسرعة النمو.
لكن… وهنا النقطة التي أعتقد شخصيا أن أحدا لم ينتبه لها بهذا الشكل:
إن استخدام هذا المصطلح تحديدا، رغم وجاهته ودقته في شرح العلاقة بين أمريكا والصين، يحمل مشكلة خطيرة جدا على المستوى النفسي والسياسي؛ لأن نهاية القصة التاريخية نفسها لم تكن بانتصار أثينا… بل بانتصار إسبرطة.
أي أن الرئيس الصيني، ومن دون أن ينتبه ربما، اختار للصين صورة القوة الصاعدة المبهرة… التي انتهت مهزومة في الحرب.
وهنا تكمن المفارقة العجيبة.
فحين تقول لأمريكا: “أنتم إسبرطة ونحن أثينا”، فإن بعض العقول الاستراتيجية في واشنطن قد تفهم الرسالة بشكل معاكس تماما:
“إذا كانت الصين تعترف بأنها أثينا الجديدة، فهذا يعني أن علينا أن نفعل ما فعلته إسبرطة قبل أن يكتمل صعود المنافس.”
أي أن المصطلح، بدلا من أن يكون تحذيرا من الحرب، قد يتحول نفسيا إلى تبرير للحرب بل والانتصار فيها كما حدث في ذلك التاريخ.
والأخطر من ذلك، أن إسبرطة لم تنتصر لأنها أكثر حضارة أو أكثر علما، بل لأنها أدركت مبكرا أن أخطر لحظة في التاريخ هي لحظة اكتمال صعود الخصم.
واليوم، حين نرى الحصار التقني، والحرب على الرقائق الإلكترونية، والتطويق البحري، والتحالفات العسكرية حول الصين، يبدو المشهد وكأن العالم يعيد كتابة حرب بحر إيجة… لكن بلغة الذكاء الاصطناعي والطاقة والكابلات البحرية، قبل موعد الحرب.
د. عامر الكبيسي