عن سيطرة الحضارة الأوروبية واخطائها
محمد عادل زكي يكتب
- dr-naga
- 15 مايو، 2026
- حوارات ومقالات
- الإنسانيَّة, الحضارة الأوروبية, الدين, العذراء, العلم, العلم الحديث, الهوية, الهيمنة الأوروبيَّة, تهميش
إنَّ مِن أهمِّ ما انتهيتُ إليه، منذ انشغالي بنقد المركزيَّة الأوروبيَّة في علم الاقتصَاد السِّياسيّ، أنَّ هناك خطأً منهجيًّا كبيرًا تبدَّى في اختزال الهيمنة الأوروبيَّة على العالم، منذ بدايات نهضتها الحديثة، في التفوُّق التقنيّ أو العسكريّ أو حتى الاقتصَاديّ. لأنَّ ما جرى كان أعمق من ذلك بكثير؛ فلقد تشكَّل نظامٌ هائلٌ من السيطرة امتدَّ إلى المعرفة وطريقة كتابة التَّاريخ. فلقد صرنا إلى سيطرةٍ هيمنت على الإنسان، وأعادت تعريفه داخل عالمنا المعاصر. هذه الحضارة المنتصرة لم تكتفِ بما حقَّقته من نصرٍ عسكريٍّ مُخرِّبٍ ومدمِّر، وإنَّما ذهبت إلى أبعد من ذلك حين احتكرت معنى الانتصار نفسه، وأعادت صياغته وفق منظورها الخاص. وعلى هذا النَّحو، جرى تهميش كلِّ ما لا ينتمي إليها أو لم يمر عبر تجربتها، حتى بدا وكأنَّه خارج التَّاريخ أو بلا أثرٍ يُعتدُّ به. ومع الوقت، ترسَّخ التصوُّر الَّذي جعل من التجربة الأوروبيَّة معيارًا وحيدًا لقياس التقدُّم والإنسانيَّة. وفي هذا الإطار المشؤوم، نشأ ما يُسمَّى”العلم الحديث” داخل إطارٍ من القطيعة المعرفيَّة الَّتي تفصل “العقل الأوروبي” عن “شرق” جرى تصويره بوصفه فضاءً أسطوريًّا. ومن هنا تبدأ الحكاية كما يرويها المؤرِّخ الأوروبي؛ تظهر اليونان، ولكن بعد فصلها عن جذورها الشرقيَّة، وعن تداخلها مع الفكر المصري القديم والبابلي والفينيقي، كأصلٍ نقيٍّ عقلانيٍّ منفصلٍ عن سياقاته، وكأنَّ الفكر وُلد مكتملًا داخل حدود الغرب. ثم أُعيد ترتيب الزمن نفسه؛ فصار التَّاريخ الأوروبي هو التَّاريخ العالميّ، وتحولت لحظاته الكبرى، كعصر الأنوار والثورة الصناعيَّة، إلى نقاطٍ مرجعيَّةٍ لتاريخ البشريَّة بأسرها. أمَّا تواريخ الشعوب الأخرى، فدُفعت دفعًا إلى الهامش، أو أُعيدت كتابتها ابتداءً من لحظة احتكاكها بالاستعمار، وكأنَّ وجودها السَّابق لا يستحق الذكر. فتحوَّلت الهند، مثلًا، إلى صورةٍ للغرابة والتخلُّف، وصُوِّرت أفريقيا كقارَّةٍ بلا تاريخ، وقُدِّم العرب بوصفهم جماعاتٍ بدويَّةً إلى أن “اكتشفتهم” أوروبا. وبهذا الشكل، استقرَّت روايةٌ واحدةٌ تتحدَّث باسم الإنسان كلِّه، وتحدِّد معاني “الحداثة” والعلم والدين والحريَّة والهويَّة. وما لا ينسجم مع هذه القوالب يُدفع إلى خانة الفلكلور أو التخلُّف الحضاري والتَّاريخي. ولم يتوقَّف الأمر عند حدود المفاهيم؛ إذ امتدَّ إلى محو حضور شعوبٍ كاملةٍ من الذَّاكرة الإنسانيَّة. حتى الدين لم يسلم من هذا التشكيل؛ فقد جرى تقديمه عبر صورةٍ محدَّدةٍ تتصدَّرها تمثُّلاتٌ أوروبيَّة، بينما تراجعت أبعاده التاريخيَّة والشرقيَّة المتنوِّعة. وتحول اللاهوت، في كثيرٍ من صوره، إلى خطابٍ يمنح الشرعيَّة لمركزيَّةٍ بعينها ويقصي ما عداها. فعلى الرغم من أنَّ يسوع أحد أبناء الشرق، وبالتَّالي فهو من ذوي البشرة القمحيَّة، فإنَّ يسوع الأبيض ذو العيون الملوَّنة حاضرٌ لمحو ذاكرة وتاريخ الشعوب غير الأوروبيَّة، وقمع نفسية الشعوب السوداء! وها هي العذراء كما رسمها الأوروبي، ليست بالتأكيد امرأةً شرقيةً، بل امرأةً أوروبيةَ الملامح. هكذا كتبت أوروبا الاستعماريَّة تاريخ العالم ابتداءً من تاريخها. وفي المجال السِّياسي، قُدِّمت الديمقراطيَّة الأوروبيَّة بوصفها النموذج الأوحد المقبول للعقلانيَّة والتحضُّر، بينما أُهملت أو شُوِّهت أشكالٌ أخرى من التنظيم الاجتماعيّ والسياسي، وكأنَّها انحرافٌ عن مسارٍ واحدٍ مفترضٍ للتَّاريخ. وهكذا استوردنا، بلا وعي، الشيوعية والاشتراكيَّة والعلمانية والقوميَّة والليبراليَّة… إلخ، كمفاهيم يجرى ترديدها في إيقاعات ذهوليَّة، دون محاولة، مجرد محاولة للتوقف من أجل فهمها كمفرزات حضارية في لحظة تاريخية معينة. أمَّا اللغة، فصارت أداةً من أدوات السيطرة؛ إذ ارتبطت اللغات الأوروبيَّة بالعلم والجامعة والحداثة، في حين دُفعت لغاتٌ أخرى إلى موقعٍ أدنى، وكأنَّها عاجزةٌ عن إنتاج معرفةٍ معاصرة. وجرى الأمر نفسه في الثقافة، حيث أُعيد تعريف الفن والموسيقى والمسرح وفق معايير أوروبيَّة، حتى بدا أنَّ الإبداع الإنساني لا يُعترف به إلا إذا مرَّ عبر هذه القوالب. ما نحن أمامه، إذًا، هو منظومةٌ متكاملةٌ تعيد إنتاج العالم وفق مقاييسها، وليس مجرَّد تفوُّقٍ مادِّي. ولهذا، يصبح نقد هذه المركزيَّة ضرورةً فكريَّة، لأنَّه النقد الذي يفتح المجال أمام استعادة تعدديَّة الخبرة الإنسانيَّة، ويحرِّر المعرفة من احتكارها. فالإنسانيَّة لا يمكن أن تمضي قدمًا إذا ظلَّ صوتها محصورًا في تجربةٍ واحدة، بينما تباد تجارب الآخرين أو تُمحى ذهنيًا.