المهاجرون والمسلمون في مواجهة الراديكالية السياسية الأوروبية

صعود اليمين وتداعياته على الاندماج وحقوق الأقليات

لم تعد صرخة ‘أوروبا للأوروبيين’ مجرد هتاف يتردد في أزقة المدن المهمشة، بل باتت واقعاً سياسياً يترجمه زحف اليمين المتطرف نحو سدة الحكم في كبرى العواصم الأوروبية. فمع اتساع رقعة الأزمات الاقتصادية وتنامي المخاوف الأمنية، شهدت القارة العجوز تحولاً جذرياً في بوصلتها السياسية، حيث تصدرت الخطابات القومية المتشددة المشهد، متخذة من قضيتي ‘الهجرة’ و’الهوية الإسلامية’ وقوداً لحملاتها الانتخابية.

هذا التقرير يسلط الضوء على تداعيات هذا التحول، ليس فقط في أروقة البرلمانات، بل في الشارع الذي بات مسرحاً لممارسات تمييزية وتشريعات مقيدة تستهدف تقويض مبادئ التعددية، مما يضع مستقبل العقد الاجتماعي الأوروبي وقيم التسامح أمام اختبار وجودي غير مسبوق.”

تشهد القارة الأوروبية في عام 2026 تصاعداً ملحوظاً في نفوذ أحزاب اليمين المتطرف وممارساتها العدائية تجاه المسلمين والمهاجرين، في ظاهرة تعيد إحياء مخاوف تاريخية حول عودة العنصرية المنظمة تحت غطاء الشرعية السياسية. وتتركز هذه الظاهرة بشكل خاص في ألمانيا وفرنسا وبريطانيا وسويسرا والسويد، حيث تتحول الخطابات التحريضية إلى قرارات قانونية وممارسات ميدانية تستهدف الأفراد والأسر والمساجد.

 الجرائم العنصرية والمعادية للمسلمين

ألمانيا:  حقق حزب البديل من أجل ألمانيا اليميني المتطرف نتائج تاريخية في الانتخابات البلدية الأخيرة، مما يعكس تزايد قبول خطابه المعادي للمهاجرين بين شرائح واسعة من الناخبين.

وتشير تقارير المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب إلى أن الجماعات اليمينية المتطرفة في ألمانيا نشرت دعوات لقتل المسلمين عبر منصات مثل تلغرام، مع تورط أفراد من الجيش والشرطة في بعض هذه الشبكات.

فرنسا:  سجلت الإحصائيات الرسمية ارتفاعاً بنسبة 13 في المئة في الجرائم العنصرية والمعادية للأجانب خلال عام 2022، مع تزايد الهجمات المباشرة على المساجد والمراكز الثقافية الإسلامية.

وتعليقاً على هذه التطورات، حذرت جوليا إبنر، المتخصصة في شؤون التطرف بمعهد الحوار الاستراتيجي وجامعة أكسفورد، من أن أفكار اليمين المتطرف باتت تنتقل من الهامش إلى التيار السياسي الرئيسي في أوروبا.

بريطانيا: فقد شهدت لندن في سبتمبر 2025 أضخم احتجاجات يمينية متطرفة في تاريخ البلاد، بمشاركة نحو 150 ألف شخص تحت شعار توحيد المملكة، حيث ردد المتظاهرون هتافات مثل أرسلوهم إلى بلادهم.   وتزامنت هذه المسيرات مع تصاعد خطاب الكراهية على منصات التواصل الاجتماعي، حيث استندت العديد من الاحتجاجات إلى معلومات مضللة حول جرائم ارتكبها مهاجرون.

السويد:  أثار الناشط اليميني المتطرف راسموس بالودان جدلاً عالمياً عندما أحرق نسخاً من القرآن الكريم أمام السفارة التركية في ستوكهولم، في حوادث سمحت بها الشرطة المحلية رغم إدانته السابقة بجرائم عنصرية.  وتعلق الدكتورة ليلى المرزوقي، الباحثة في قانون حقوق الإنسان بجامعة قطر، على هذه الممارسات بقولها: إن تحويل الكراهية الدينية إلى فعل علني مدعوم أمنياً يمثل انتهاكاً صارخاً لمبادئ حرية المعتقد والحماية الدولية للأقليات.

تطبيق ميثاق الهجرة واللجوء الجديد

على المستوى التشريعي، بدأ الاتحاد الأوروبي في تطبيق ميثاق الهجرة واللجوء الجديد اعتباراً من يونيو 2026، الذي يتضمن إجراءات صارمة لفرز طالبي اللجوء وترحيل من تُرفض طلباتهم بسرعة أكبر.

ورغم أن الميثاق يهدف لتنظيم الهجرة، يحذر خبراء من أنه قد يُستخدم ذريعة لتبرير سياسات تمييزية ضد المسلمين تحديداً.

وفي سياق متصل، كشف تقرير لمؤسسة كارنيغي للسلام الدولي أن أحزاب اليمين المتطرف في أوروبا بدأت تستخدم خطاب معاداة الإسلام كأداة لتعبئة القاعدة الانتخابية، مع التركيز على ربط الهجرة بتهديدات الأمن والهوية الثقافية.

ويضيف التقرير أن هذه الاستراتيجية نجحت في تحويل النقاش العام من قضايا التنمية والعدالة الاجتماعية إلى معارك هوياتية تستقطب المشاعر دون تقديم حلول عملية.

نفوذ اليمين المتطرف يقوض جهود مكافحة التمييز في أوروبا

من جانبها، حذرت منظمة العفو الدولية من أن تزايد نفوذ اليمين المتطرف يقوض جهود مكافحة التمييز في أوروبا، حيث تُضعف الحكومات آليات المساءلة عن جرائم الكراهية تحت ضغط الخطاب الشعبوي. وتشير البيانات إلى أن جرائم الكراهية ضد المسلمين في أوروبا ارتفعت بنسبة 26 في المئة بين 2019 و2022، مع تراجع معدلات الإدانة في هذه القضايا.

ويخلص التحليل إلى أن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب مقاربة شاملة تجمع بين التشريع الرادع لخطاب الكراهية، وتعزيز التعليم الموازي لمكافحة التطرف الفكري، وتمكين المجتمعات المسلمة للمشاركة الفعالة في الحياة العامة. وكما يؤكد الدكتور فواز جرجس، أستاذ العلاقات الدولية في كلية لندن للاقتصاد: إن مستقبل الديمقراطية الأوروبية يعتمد على قدرتها على حماية التنوع دون التخلي عن قيمها الأساسية في الكرامة والمساواة.

المصادر والمراجع:
– الجزيرة نت، أوروبا في مفترق طرق: غزة والمهاجرون، أبريل 2026 [[3]]
– بي بي سي عربي، هل يهدد صعود اليمين المتطرف مستقبل بريطانيا، سبتمبر 2025 [[6]]
– المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب، اليمين المتطرف في أوروبا: تفكيك الخطاب، مايو 2023 [[14]]
– مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، تقارير حول الشعبوية الأوروبية، 2026 [[34]]
– مهاجر نيوز، الاتحاد الأوروبي وقواعد الهجرة الجديدة، يونيو 2024 [[18]]