الخريطة السياسية والاقتصادية للخليج لن تعود كما كانت

خالد فؤاد يكتب 

لم تعد هذ الجملة مجرد استنتاج تردد صداه مع بداية الحرب ولكن كثير من التطورات تثبت يوميا أن واقع جديد يتشكل في المنطقة وسأشير هنا إلى ثلاثة تطورات أخيرة لعلها توضح حجم التغيرات وأثرها على مستقبل المنطقة.

(1)
لم تكتفي الإمارات بالإعلان عن الانسحاب من أوبك ولكن اتبعت ذلك بإعلان من خلال شركة أدنوك الإماراتية عن استثمارات ضخمة تصل إلى 55 مليار دولار في القطاع النفطي الإماراتي بما يشمل التنقيب والإنتاج والتكرير.

تقودنا هذه المبالغ الضخمة إلى رؤية أوسع لاستراتيجية الإمارات في السنوات القادمة فإلى جانب البعد السياسي الواضح لقرار الانسحاب من أوبك والتوتر المتصاعد بين السعودية والإمارات فيبدو أن الأخيرة تخطط أن يكون لها حصة أكبر في أسواق النفط العالمية بعد الحرب فالاستثمارات الإمارتية ترتكز على توسيع الطاقة الإنتاجية بشكل سريع بحيث تعزز الإمارات موقعها كواحدة من الدول القليلة جدا التي تمتلك طاقة إنتاجية فائضة مما يسمح لها بزيادة إنتاجها في أوقات الأزمات وتحقيق عائدات ضخمة وهذا في الواقع مكسب جيوسياسي ونفوذ دولي قبل أن يكون مكسب اقتصادي

(2)
للمرة الأولى منذ حرب الخليج 90-91 تعجز الكويت عن تصدير برميل نفط واحد لمدة شهر كامل والمفارقة هنا أن العجز في المرة الأولى كان بسبب الغزو العراقي بينما في الوضع الحالي مثلت سيطرة إيران على مضيق هرمز وضع مماثل للغزو من حيث عجز الكويت عن تصدير أي قدر ولو ضئيل من إنتاجها النفطي لمدة طويلة.

الكويت التي تعد من كبار منتجي ومصدري النفط الدوليين كانت أكثر الدول الخليجية تضررا فمع بداية الحرب وبسبب إغلاق المضيق اضطرت لتقليص إنتاجها وإغلاق بعض الآبار ثم اضطرت بعد عدة أسابيع لإعلان حالة القوة القاهرة التي تعفيها من المسؤولية القانونية عن عدم قدرتها الوفاء بالحصص المتفق عليها مع عملاءها.

إلى جانب ذلك فالكويت لا تمتلك خطوط أنابيب تمكنها من تجاوز مضيق هرمز وتقليل الخسائر كما هو الحال مع السعودية والإمارات ولذا فإن الكويت بعد انتهاء الحرب ستكون أمام عدة تحديات صعبة من إصلاح البنية التحتية المتضررة واستئناف العمل بالحقول تدريجيا بدون إحداث أضرار بالإنتاج واستعادة حصصها السوقية التي فقدتها خلال الحرب والتفكير بجدية في مسارات باهظة التكلفة تمكنها من تجاوز مضيق هرمز وهنا بالتأكيد سيصاحب هذه المسارات الحتمية خطوات سياسية محلية وخارجية تمكن الكويت من إنجاز تحدياتها الصعبة.

(3)
يبدو أن خسائر قطر لا تتوقف فقط على محطات التسييل التي تضررت والتي ستحتاج إلى وقت وتكلفة لتعود لمستويات إنتاجها الطبيعية ولكن الأخطر من ذلك خسارة قطر جزء من حصصها التصديرية للأسواق الآسيوية.

وهنا سأشير إلى تطور مثير في اليابان التي تعد من المستوردين الرئيسيين للغاز المسال القطري حيث أعلنت اليابان إعادة تشغيل محطة نووية لتوليد الكهرباء بعد توقف أكثر من 14 عام والهدف الذي أعلنته اليابان هو خفض وارداتها من الغاز المسال عبر مضيق هرمز بنحو 30% أو بمعنى أدق خفض واردتها من الغاز المسال القطري بنسبة 30%.

الخطوة اليابانية هي مؤشر لخطوات مماثلة أصبحت مطروحة بجدية في الدول الاسيوية المعتمدة بشكل كبير على الغاز المسال القطري من إعادة تشغيل المحطات النووية وعودة العمل بالفحم والتوجه نحو الطاقة المتجددة وكل هذه السياسات لا تعني إلا تقليل حصص قطر من صادراتها من الغاز المسال بقدر ملموس في السنوات القادمة.

إلى جانب ذلك فالولايات المتحدة أكبر مصدر للغاز المسال عالميا قد استغلت بالتأكيد أزمة مضيق هرمز في زيادة عقودها متوسطة وطويلة الأجل مع كثير من العملاء وكل هذه التطورات تشير إلى خسائر اقتصادية لقطر وكذلك إلى تحولات مهمة في أسواق الغاز المسال العالمية وهذا بالتأكيد سيضع قطر أمام خيارات وتحديدات جديدة لتستطيع الحفاظ على مكانتها في أسواق الغاز المسال ومكاسبها الاقتصادية والجيوسياسية.