إسرائيل في قلب التنافس الأمريكي الصيني

كيف أصبحت تل أبيب عقدة الممرات والتحالفات الآسيوية؟

أصبحت إسرائيل خلال الأيام الأخيرة حاضرة بصورة غير مباشرة في المحادثات الجارية بين الولايات المتحدة والصين، رغم غياب الملف الإسرائيلي رسمياً عن جدول القمة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الصيني شي جين بينغ. إلا أن الحرب المرتبطة بإيران، وأمن الممرات البحرية، ومشاريع التجارة العالمية الجديدة، دفعت إسرائيل إلى قلب الحسابات الجيوسياسية الآسيوية والدولية.

وذكرت وكالة رويترز في تقارير نُشرت بين 11 و13 مايو 2026 أن الحرب الدائرة مع إيران ألقت بظلالها على القمة الأمريكية الصينية في بكين، وسط مخاوف متزايدة تتعلق بأمن مضيق هرمز، وسلاسل الطاقة العالمية، والتحالفات الاقتصادية الجديدة الممتدة من الخليج إلى الهند والبحر المتوسط.

وبحسب التقارير، تنظر واشنطن إلى إسرائيل باعتبارها جزءاً من شبكة النفوذ الغربي الممتدة من شرق المتوسط إلى الخليج والهند، بينما ترى الصين أن استقرار المنطقة يرتبط مباشرة بمصالحها التجارية والطاقة ومشروع “الحزام والطريق”.

وقال مايكل أورين، السفير الإسرائيلي السابق لدى واشنطن، في تحليل نشرته مجلة “فورين بوليسي”، إن إسرائيل تواجه “أكثر لحظة جيوسياسية تعقيداً منذ عقود”، بسبب اضطرارها للحفاظ على تحالفها الاستراتيجي مع الولايات المتحدة، مع تجنب خسارة العلاقات الاقتصادية المتنامية مع الصين والهند.

وخلال السنوات الأخيرة، تحولت العلاقة بين إسرائيل والهند إلى أحد أهم محاور السياسة الآسيوية بالنسبة لتل أبيب، إذ أصبحت الهند من أكبر مستوردي التكنولوجيا العسكرية الإسرائيلية، إضافة إلى توسع التعاون في مجالات الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والزراعة والتكنولوجيا المتقدمة.

ويرى الباحث الهندي سي راجا موهان أن العلاقات بين نيودلهي وتل أبيب تتجه نحو “شراكة استراتيجية كاملة” تتجاوز التعاون الدفاعي التقليدي إلى مشاريع البنية التحتية والطاقة والتكنولوجيا، مع اعتبار إسرائيل بوابة متقدمة للتكنولوجيا الغربية في الشرق الأوسط.

وفي المقابل، تنظر بكين بحذر متزايد إلى مشروع الممر الاقتصادي الهندي ـ الشرق أوسطي ـ الأوروبي، المدعوم من الولايات المتحدة والهند وإسرائيل وعدد من الدول الخليجية، باعتباره مشروعاً منافساً جزئياً لمبادرة “الحزام والطريق” الصينية.

وخلال فعالية اقتصادية نُظمت في أثينا يوم 13 مايو 2026، أكدت نائبة وزير الخارجية الإسرائيلي شارين هاسكل أن المشروع يمثل “فرصة استراتيجية طويلة الأمد للاستقرار الإقليمي والتجارة العالمية”.

كما نقلت صحيفة “ساوث تشاينا مورنينغ بوست” عن باحثين صينيين أن بكين تنظر إلى المشروع باعتباره محاولة أمريكية لإعادة تشكيل طرق التجارة العالمية بعيداً عن النفوذ الصيني.

وقال الباحث الصيني لي هاي دونغ إن الولايات المتحدة تسعى إلى “تسييس الممرات التجارية الدولية” عبر إنشاء شبكات اقتصادية مرتبطة بتحالفاتها العسكرية والاستراتيجية.

ويرى الخبير في الجغرافيا السياسية الآسيوية براهما تشيلاني أن إسرائيل أصبحت نقطة محورية في التنافس بين مشروعين عالميين: المشروع الصيني القائم على “الحزام والطريق”، والمشروع الأمريكي الذي يعتمد على تحالفات اقتصادية تمتد من الهند والخليج إلى أوروبا عبر إسرائيل.

ويشير محللون إلى أن ميناء حيفا والموانئ الإسرائيلية اكتسبت أهمية متزايدة في معادلات التجارة العالمية الجديدة بسبب موقعها الرابط بين المتوسط والخليج والهند، وهو ما جعل إسرائيل ساحة تنافس حساسة بين واشنطن وبكين.

وخلال السنوات الماضية، مارست الولايات المتحدة ضغوطاً متكررة على إسرائيل لتقليص التعاون التكنولوجي والاستثماري مع الصين، خاصة في قطاعات الموانئ والاتصالات والبنية التحتية الحساسة.

وقالت الباحثة الأمريكية إليزابيث إيكونومي من مؤسسة هوفر إن واشنطن تنظر بقلق إلى أي توسع صيني داخل القطاعات الإسرائيلية المرتبطة بالأمن والتكنولوجيا المتقدمة.

أما الباحث الإسرائيلي إيال زيسر فيرى أن تل أبيب تحاول الحفاظ على “توازن شديد الحساسية” بين المصالح الاقتصادية مع الصين والتحالف الأمني العميق مع الولايات المتحدة، محذراً من أن أي انحياز واضح لبكين قد يفتح أزمة مباشرة مع واشنطن.

وفي الهند، اعتبر معهد “أوبزرفر ريسيرش فاونديشن” في تحليل نُشر خلال الأيام الأخيرة أن التحالف الهندي الإسرائيلي يزداد أهمية مع تصاعد التوتر الأمريكي الصيني وتحول التجارة العالمية إلى أداة صراع جيوسياسي.

وفي المقابل، تتزايد داخل الأوساط الأكاديمية الصينية القناعة بأن الولايات المتحدة تعمل على إنشاء “طوق اقتصادي واستراتيجي” يمتد من اليابان والهند مروراً بالخليج وإسرائيل وصولاً إلى أوروبا، بهدف الحد من النفوذ الصيني العالمي.

وقال الباحث الصيني وانغ جيسي إن بكين لم تعد تنظر إلى هذه المشاريع باعتبارها مجرد تعاون اقتصادي، بل كجزء من استراتيجية احتواء شاملة ضد الصين.

وفي ما يتعلق بالحرب المرتبطة بإيران، أكد ريتشارد هاس، الرئيس السابق لمجلس العلاقات الخارجية الأمريكي، أن صراعات الشرق الأوسط لم تعد منفصلة عن التنافس الأمريكي الصيني، بسبب الترابط المتزايد بين الطاقة والممرات البحرية والتكنولوجيا والأمن العالمي.

وتشير التطورات الأخيرة إلى أن إسرائيل لم تعد مجرد قضية شرق أوسطية تقليدية، بل تحولت إلى عنصر مؤثر داخل الصراع العالمي على التجارة والطاقة والتحالفات التكنولوجية. وبين مشروع “الحزام والطريق” الصيني والممر الهندي ـ الخليجي ـ الأوروبي المدعوم أمريكياً، تجد تل أبيب نفسها في موقع جغرافي وسياسي يجعلها جزءاً أساسياً من إعادة تشكيل النظام الاقتصادي الدولي الجديد.

اترك تعليقا