العالم الإسلامي: كيف تتحول الديموغرافيا والاقتصاد إلى قوة عظمى؟

فرص النهضة الإسلامية

الرائد: في عالم يعاد تشكيل خارطته الجيوسياسية، يقف العالم الإسلامي اليوم على أعتاب لحظة تاريخية فارقة؛ مسلحاً بانفجار ديموغرافي شاب، ومخزون اقتصادي هائل يمتد من ثروات الطاقة إلى الممرات الاستراتيجية الحاكمة. لكن هذه الأوراق الرابحة تظل معلقة بين واقع الإمكانات وطموح النفوذ، لتطرح السؤال الأهم: كيف يمكن للمحيط الإسلامي أن يحول كتلته البشرية والاقتصادية من مجرد أرقام في التقارير الدولية إلى قوة عالمية فاعلة تؤثر في صنع القرار الدولي وتتجاوز تحديات التبعية؟

تمتد الدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي عبر أربع قارات، وتضم أكثر من خمسين دولة، ويعيش فيها ما يقارب ربع سكان العالم. وتمتلك هذه الدول احتياطيات كبيرة من النفط والغاز، ونسبًا مهمة من المعادن الإستراتيجية، وممرات بحرية دولية، وأراضي زراعية واسعة، إضافة إلى شريحة سكانية يغلب عليها الشباب في كثير من الدول. ويرى عدد من الخبراء أن هذه المقومات تمنح العالم الإسلامي فرصًا كبيرة لزيادة وزنه في النظام الدولي، إذا نجح في تحويل موارده البشرية والطبيعية إلى قوة إنتاجية وعلمية وتكنولوجية.

وتشير بيانات البنك الإسلامي للتنمية والبنك الدولي إلى أن اقتصادات الدول الإسلامية تختلف بصورة كبيرة من حيث الحجم ومستويات الدخل، إذ تضم اقتصادات متقدمة نسبيًا في الخليج وجنوب شرق آسيا، إلى جانب اقتصادات صناعية وزراعية وناشئة في آسيا وإفريقيا والشرق الأوسط.

ويرى أحمد محمد علي، الرئيس السابق لـ البنك الإسلامي للتنمية، في عدد من كلماته وتقاريره، أن أكبر فرصة أمام العالم الإسلامي تكمن في الاستثمار في الإنسان، والتعليم، والعلوم، والتكامل الاقتصادي، بدلًا من الاعتماد على تصدير المواد الخام وحدها.

وتعد الطاقة إحدى أهم عناصر القوة الاقتصادية للدول الإسلامية، إذ تشير بيانات وكالة الطاقة الدولية (IEA) وأوبك إلى أن عددًا من أكبر منتجي النفط والغاز في العالم ينتمي إلى منظمة التعاون الإسلامي، كما تمتلك دول مثل قطر والجزائر ونيجيريا وإندونيسيا وماليزيا موارد مهمة من الغاز الطبيعي والطاقة المتجددة.

وفي مجال التجارة، تمر عبر الدول الإسلامية ممرات بحرية وجغرافية من الأكثر أهمية عالميًا، مثل قناة السويس، ومضيق هرمز، وباب المندب، ومضيق ملقا، وهي شرايين رئيسية للتجارة والطاقة العالمية، وفق بيانات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (UNCTAD).

كما تمتلك دول إسلامية عديدة احتياطيات كبيرة من المعادن الإستراتيجية، مثل الفوسفات في المغرب، والبوكسيت في غينيا، والنيكل في إندونيسيا، والذهب في عدد من الدول الإفريقية، إلى جانب إمكانات متزايدة في الليثيوم والعناصر النادرة، وهي معادن يزداد الطلب عليها مع التحول العالمي نحو الاقتصاد الرقمي والطاقة النظيفة.

ويرى جاستن لين، كبير الاقتصاديين السابق في البنك الدولي، أن الدول النامية، ومنها عدد كبير من الدول الإسلامية، تستطيع تحقيق قفزات تنموية إذا ركزت على التصنيع، وتحسين التعليم، والاستثمار في البنية التحتية، والاستفادة من مزاياها النسبية.

وفي المجال الديموغرافي، تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن عددًا كبيرًا من الدول الإسلامية يتمتع بتركيبة سكانية شابة، وهو ما يمثل فرصة لزيادة الإنتاجية إذا ارتبط بتطوير التعليم والتدريب المهني وسوق العمل.

كما شهدت بعض الدول الإسلامية توسعًا ملحوظًا في الاقتصاد الرقمي، والخدمات المالية الإسلامية، والتكنولوجيا المالية، والذكاء الاصطناعي، ومشروعات المدن الذكية، خاصة في دول الخليج وماليزيا وإندونيسيا وتركيا.

ويرى جيم أونيل، الرئيس السابق لإدارة الأصول في غولدمان ساكس، أن الاقتصادات الصاعدة التي تستثمر في التكنولوجيا ورأس المال البشري ستكون أكثر قدرة على تحسين موقعها في الاقتصاد العالمي، بغض النظر عن مواردها الطبيعية.

وتشير تقارير منظمة التعاون الإسلامي إلى أن حجم التجارة البينية بين الدول الأعضاء شهد نموًا خلال السنوات الأخيرة، إلا أنه لا يزال دون الإمكانات المتاحة، وهو ما يجعل تعزيز التكامل الاقتصادي، وربط شبكات النقل والطاقة، وتيسير الاستثمار، من أبرز الأولويات المستقبلية.

وفي الجانب العلمي، ما زالت مساهمة معظم الدول الإسلامية في الإنفاق العالمي على البحث والتطوير وبراءات الاختراع أقل من المتوسط العالمي، وفق بيانات اليونسكو، وهو ما يدفع المؤسسات الدولية إلى التأكيد على أهمية زيادة الاستثمار في الجامعات، ومراكز الأبحاث، والابتكار، وربطها بالقطاع الصناعي.

ويرى كمال درويش، نائب رئيس مؤسسة بروكينغز السابق ووزير الاقتصاد التركي الأسبق، أن تحقيق تنمية مستدامة في العالم الإسلامي يتطلب إصلاحات مؤسسية، وتحسين الحوكمة، والانفتاح على الاقتصاد العالمي، والاستثمار في المعرفة.

كما يشير تقرير التنمية البشرية الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) إلى أن تطوير التعليم، وتمكين الشباب، ورفع كفاءة الإدارة العامة، وتحسين بيئة الأعمال، تمثل عوامل حاسمة في تعزيز القدرة التنافسية للدول الإسلامية.

تأسيسياً على ما تقدم، نخلص إلى أن الفجوة بين إمكانات العالم الإسلامي ومكانته الدولية ليست أزمة موارد، بل هي أزمة إدارة واستراتيجيات تكامل. إن استثمار النافذة الديموغرافية الشابة وتوظيف المقدرات الاقتصادية المتنوعة يتطلبان إرادة سياسية موحدة لإعادة هيكلة العلاقات البينية وتجاوز العقبات الأمنية والتنموية. وبناءً عليه، يظل رهان التحول إلى قطب عالمي مؤثر رهيناً بمدى القدرة على الانتقال من المبادرات الفردية إلى التكتل الاستراتيجي الشامل.

اترك تعليقا