المسكوت عنه من تاريخ مصر: لماذا قتلوا عباس حلمي الأول ومسحوا تاريخه؟
يسري الخطيب يكتب
- dr-naga
- 14 يوليو، 2026
- مقالات وتحليلات
- المسكوت عنه من تاريخ مصر, عباس حلمي الأول
في ذكرى وفاته: “عباس حلمي الأول”.. لماذا قتلوه ومسحوا تاريخه؟
——–
– ليس التاريخُ ما وقع فحسب، بل ما سُمِح له أن يُروَى، فكم من رجلٍ غيَّر مجرى الأحداث، ثم غاب اسمه عن الصفحات، وكم من حاكمٍ مُحيَت آثاره، لا لأنَّه لم يكن، بل لأنَّ المنتصر كتب الرواية، وترك الهامش لمن سبقه أو خالفه.
– وهكذا يصبح التاريخ، أحيانًا، ساحةً أخرى للصراع؛ تُخاض فيها المعارك بالأقلام بعد أن تنتهي بالسيوف، وتُدفن فيها الوقائع تحت ركام السياسة، حتى يظنَّ الأبناء أن ما لم يقرؤوه لم يحدث أصلًا.
– واحدٌ من حكام مصر المنسيين المظلومين، لم تزل قصته غامضة، وحياته لغزا كبيرا، فقد مسحت الأسرة العلوية تاريخه، وأسقطته من الذاكرة.
– قامت المدفعية الإعلامية المصرية الرسمية، كعادتها، بتشويهه بأكاذيبها وتدليسها، كما فعلت لاحقًا، مع الملك فاروق، بعد يوليو 1952م، والرئيس محمد نجيب، بعد 1954م، والرئيس محمد مرسي.. من 2012م، للآن.
– هو “عباس حلمي” بن “أحمد طوسون” بن “محمد علي”…(أسماء مُركّبة)
حفيد “محمد علي باشا” والي مصر، وأكبر أفراد الأسرة العلوية سنًا، وبالتالي أحقهم بولاية الحُكم بعد عمه إبراهيم باشا.
– الميلاد: 1 يوليو 1813م، جدّة، السعودية
– الوفاة: 13 يوليو 1854م، بنها، مصر
– حاكم مصر بين عامَيْ: 1848م – 1854م
– يوجد خلط دائم بينه وبين “عباس حلمي الثاني” خديوي مصر من 8 يناير 1892م، إلى عزله في 19 ديسمبر 1914م،
– الروايات عن هذا الحاكم متناقضة، والمؤرّخون انقسموا لفريقين متناقضَين متناحرَين:
1- مؤرخو القصر ورجال بريطانيا بمصر، وسفراء الدول الغربية في مصر، يرونه رجعيا متخلفا، واعتبره المؤرخون الغربيون أفشل وأسوأ حاكم في تاريخ أسرة محمد علي، ويقولون إنه اُغتيل في قصره بمدينة بنها، بواسطة عبيد عمته الأميرة “نازلي”، لرغبته في توريث ابنه “إلهامي” الحُكم بدلًا من عمه سعيد باشا.. وأنه حاول قتل عمته الأميرة نازلي، وسعى إلى تغيير نظام وراثة العرش ليجعل ابنه إلهامي، خليفته في الحُكم بدلًا من سعيد باشا عمه، لكنه لم يفلح.. وكان هذا من أسباب التخلص منه، وفـرَّ ابنه إلهامي إلى الأستانة…
– نازلي هذه ليست أم الملك فاروق، ولكنها نازلي بنت محمد علي باشا (1799م – 1860م) ثاني أكبر بنات محمد علي باشا، وزوجة محمد بك الدفتردار.
وحسب المؤرّخة المصرية الدكتورة عفاف لطفي السيد (مواليد 1933م) أستاذ التاريخ في جامعة كاليفورنيا، فقد عاشت الأميرة نازلي حياة النزق والفسوق، بعيدًا عن أَعْيُن والدها.. ولما علمَ “محمد علي” بفجورها، أمر بقتلها، إلا أن “عباس حلمي الأول” استعطف جدّه “محمد علي” ليلة كاملة، حتى تراجع عن أمره بقتلها.
– تقول مدام “أولمب إدوار” في كتابها “كشف الستار عن أسرار مصر” إن الأميرة نازلي هانم عمّة عباس حلمي الأول كانت فى الأستانة وأرسَلَت مملوكين من أتباعها لقتله، ونجحت في ذلك،
– أما “إسماعيل باشا سرهنك” فيقول في الجزء الثاني من كتابه: “حقائق الأخبار عن دول البحار”: إن عباس كانت له حاشية من المماليك يقربهم إليه ويصطفيهم، ويتخذ منهم خواص خدمه، ولهم عنده من المنزلة ما جعله يغدق عليهم الرتب العسكرية العالية، على غير كفاءة يستحقونها، وكان ذلك من أسباب كراهية عائلة محمد علي له، وأن هؤلاء المماليك غدروا به عندما حجب عنهم بعض الامتيازات.
2- على الجانب الآخر.. يرى المؤرخون المسلمون من العرب والمصريين أنه لم يكن كذلك، وأن الغربيين عملوا على تشويه سيرته لأنه حاول نشر أفكار الشيخ محمد بن عبد الوهاب في مصر، وما حولها.. فقد كان وهّابـيًّا متشددًا، متديّنا، وُلدَ ونشأ وتعلّمَ في جدة بالسعودية، وتأثّر بالوهابية.
– كان مؤيدًا للشيخ محمد بن عبد الوهاب، وقام بتهريب أحد أبنائه أثناء وجوده في السجون المصرية بعد أسره في المعركة التي خاضها إبراهيم باشا ضد الدولة السعودية الأولى.
كما قام بإحياء شعيرة (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) في مصر، ولذا تخلصوا منه..
– وكان “عباس حلمي الأول” رجلا صوّامًا، لا يصافح النساء، ولا يجلس في قصور الحُكم، ينام ويأكل على الأرض، ويدخل الأسواق، ويزور جميع المناطق في مصر، ويتفقد أحوال الناس من دون حراسة، حتى قال الناس في مصر: لقد عاد “عمر بن عبد العزيز” إلى الحياة من جديد..
– هجرَ قصور الحُكم وعاش في بيتٍ بأطراف بنها، بعيدًا عن العمران، ورفض الجلوس على كرسي الحُكم، وكان يراه رأس الفتنة، وجلس على مقعد من الطوب،
رجلٌ وُلدَ وعاشَ في جدّة، وحفظ القرآن الكريم، وكان وهابيًّا متشددا.. وقام بتهريب ابن محمد بن عبد الوهاب من السجن،، إلخ،، أشياء موثقة ومُؤكَّدة من مصادرة كثيرة؛ تؤكد “أيديولوجية” هذا الحاكم
أكد بعض المؤرخين، وكثير من الذين عاصروه أنه كان زاهدًا وَرِعًا، وسلفـيًّا متشددًا، ترك قصر الحُكم بسبب الفساد والمؤامرات، وابتعاد أفراد أسرة “محمد علي” عن تعاليم الإسلام، وخاصةً نساء عائلته وفسادهن الذي ذكرته المصادر، وأنه كان يخلو بنفسه كثيرًا للعبادة والتأمل، ولذا قتلوه، وأسقطوه من الذاكرة،
أما الطرف الآخر فيراه درويشًا مجنونا، أحمقا، متخلفا، تابعا للجزيرة العربية، وللفكر الوهابي، ورجلهم في حُكم مصر.
الآراء متناقضة، والحقيقة الكاملة لا يعلمها إلا الله.
وقفة:
– إنَّ إخفاء صفحاتٍ من التاريخ لا يُغيِّر التاريخ، بل يُشوِّه الذاكرة، فكثيرٌ من الدول، والأُسَر الحاكمة، والأنظمة السياسية، تميل إلى إعادة صياغة الماضي بما يخدم شرعيتها، فتُبرز من تراه امتدادًا لها، وتُهمِّش مَن تراه خصمًا أو مصدرًا للحرج، أو تُسقطه من السرد الرسمي حتى يُمحَى من الذاكرة العامة كأنَّه لم يكن يومًا
– من هنا جاءت محاولات طمس أو تهميش شخصياتٍ وأحداث في أزمنة مختلفة، سواء تعلَّق الأمر بالرئيس محمد نجيب لسنوات طويلة، أو بالرئيس محمد مرسي بعد عزله، أو بالملك البريطاني المسلم “أوفا” الذي أسقطه الإنجليز من تاريخهم
وغيرهم.. وغيرهم
– ليس هذا الظلم موجَّهًا إلى الأشخاص وحدهم، بل إلى الأجيال أيضًا؛ لأن الأمة التي لا تعرف تاريخها كاملًا، بحلوه ومرِّه، تُحرم حقَّها في الفهم، وتُدفع إلى تكرار الأخطاء نفسها، فالتاريخ ليس محكمةً لتوزيع الأوسمة أو إصدار الإدانات، وإنما سجلٌّ للإنسان كما كان، لا كما أرادته السياسة أن يبدو.
– وإذا كان الكذب يستطيع أن يحجب الحقيقة زمنًا، فإن الحقيقة تظل قادرةً على الخروج من بين الوثائق، ومن أفواه الشهود، ومن جهود الباحثين؛ لأن الوقائع قد تُؤخَّر، لكنها لا تموت.
—————–
(المسكوت عنه من تاريخ مصر – يسري الخطيب )
