حرب العقول.. من يملك الذكاء الاصطناعي يملك مفاتيح المستقبل
التفوق الرقمي أصبح ركيزة النفوذ الاقتصادي والاستراتيجي
- معاذ الجمال
- 14 يوليو، 2026
- اقتصاد الرائد, تقارير وترجمات
- أخبار الذكاء الاصطناعي, اخبارجريدة الرائد, الأمن السيبراني, البنية التحتيه, الرقائق الإلكترونية
تحول الذكاء الاصطناعي من مجرد تقنية واعدة، إلى أحد أبرز محددات القوة في القرن الحادي والعشرين، بعد أن أصبح عنصرًا مؤثرًا في الاقتصاد والأمن والدفاع والصناعة والطب والتعليم، ومع احتدام المنافسة بين القوى الكبرى، لم يعد السباق يقتصر على تطوير الخوارزميات، وإنما امتد إلى السيطرة على البيانات، والقدرات الحاسوبية، وأشباه الموصلات، واستقطاب الكفاءات العلمية، وبناء البنية التحتية الرقمية.
ويذهب كثير من الخبراء إلى أن الذكاء الاصطناعي يمثل تحولًا تاريخيًا يوازي في تأثيره الثورة الصناعية من حيث إعادة تشكيل الاقتصادات وأنماط الإنتاج، مع اختلاف طبيعة هذا التحول وأدواته، وفي هذا السياق.. أصبحت القدرة على تطوير منظومات ذكاء اصطناعي متقدمة أحد أهم مؤشرات النفوذ الاقتصادي والتكنولوجي للدول، بينما تتسابق الحكومات والشركات العملاقة لضمان موقع متقدم في هذا المجال الذي سيحدد إلى حد كبير ملامح النظام الدولي خلال العقود المقبلة.
من التقنية إلى سباق النفوذ..
بدأت فكرة “الذكاء الاصطناعي” تأخذ شكلها العلمي عام 1956 خلال مؤتمر “دارتموث” في “الولايات المتحدة”، عندما صاغ عالم الحاسوب الأميركي “جون مكارثي” مصطلح “الذكاء الاصطناعي”، إلا أن محدودية قدرات الحوسبة، وارتفاع تكلفة المعالجة، وضعف توافر البيانات أدت إلى تباطؤ التطور لعقود، فيما عرف بفترات “شتاء الذكاء الاصطناعي”. ومع انتشار الإنترنت، وتطور الحوسبة السحابية، والبيانات الضخمة، ثم القفزة التي حققتها نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي خلال السنوات الأخيرة، دخل العالم مرحلة جديدة من التسارع التقني.
ويصف “إريك برينيولفسون”، (الباحث في الاقتصاد الرقمي بجامعة ستانفورد)، الذكاء الاصطناعي بأنه “تقنية ذات غرض عام” (General Purpose Technology)، على غرار الكهرباء والمحرك البخاري، نظرًا لقدرته على إحداث تحولات واسعة في مختلف القطاعات الاقتصادية والإنتاجية، وتشير تقديرات شركة “برايس ووترهاوس كوبرز” (PwC)، إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يضيف نحو 15.7 تريليون دولار إلى الناتج الاقتصادي العالمي بحلول عام 2030، مدفوعًا بزيادة الإنتاجية وتحسين الكفاءة وابتكار منتجات وخدمات جديدة.
وتتصدر “الولايات المتحدة” سباق الابتكار بفضل منظومتها البحثية وشركات التكنولوجيا الكبرى، بينما ضخت “الصين” استثمارات ضخمة في تطبيقات الذكاء الاصطناعي والبنية الرقمية، وجعلته أولوية ضمن استراتيجياتها الوطنية، وفي المقابل.. يسعى “الاتحاد الأوروبي” إلى تعزيز تنافسيته من خلال الاستثمار في الابتكار إلى جانب تطوير أطر تنظيمية، أبرزها قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي (EU AI Act)، في حين توسع دول مثل اليابان، وكوريا الجنوبية، والهند، وسنغافورة، برامجها الوطنية لتطوير التقنيات الرقمية وبناء القدرات البشرية.
البيانات والرقائق..وقود العصر الجديد
لم تعد المنافسة العالمية تدور حول البرمجيات وحدها، بل أصبحت ترتكز أيضًا على البيانات وأشباه الموصلات والقدرات الحاسوبية، ويرى “كاي فو لي”، (الرئيس السابق لشركة غوغل في الصين)، أن التفوق في الذكاء الاصطناعي يعتمد على أربعة عناصر رئيسية هي البيانات، والمهندسون والباحثون، والقدرة الحاسوبية، والبيئة القادرة على تحويل الأبحاث إلى تطبيقات تجارية وصناعية.
وفي هذا الإطار، تكتسب الرقائق الإلكترونية المتقدمة أهمية استثنائية، إذ تعتمد عليها عمليات تدريب وتشغيل النماذج الضخمة، ويشير “كريس ميلر”، (مؤلف كتاب Chip War)، إلى أن أشباه الموصلات أصبحت حجر الأساس للاقتصاد الرقمي الحديث، وأن امتلاك القدرة على تصميمها أو تصنيعها يمثل أحد أهم عناصر القوة الجيوسياسية، وهو ما يفسر التنافس الأميركي الصيني المتزايد حول سلاسل توريد الرقائق والتقنيات المرتبطة بها.
وبالتوازي، أصبحت البيانات موردًا اقتصاديًا بالغ القيمة، ويرى “فيكتور ماير-شونبرغر”، (الباحث في حوكمة البيانات بجامعة أكسفورد)، أن البيانات تشبه النفط من حيث أهميتها الاقتصادية، مع فارق جوهري يتمثل في أن قيمتها تزداد كلما أُعيد استخدامها وتحليلها وربطها بمصادر أخرى لإنتاج معرفة جديدة، ولهذا تستثمر الدول في مراكز البيانات، والبنية السحابية، وتقنيات الحوسبة الفائقة، باعتبارها ركائز أساسية لبناء اقتصادات قائمة على المعرفة والابتكار.
الفرص والتحديات في معركة المستقبل
رغم الفرص الاقتصادية الهائلة، يفرض التوسع في الذكاء الاصطناعي تحديات معقدة تتعلق بحماية الخصوصية، والأمن السيبراني، وحقوق الملكية الفكرية، والشفافية، والمساءلة، ومخاطر انتشار المعلومات المضللة، إضافة إلى تأثير الأتمتة في أسواق العمل، لذلك تعمل الحكومات والمنظمات الدولية على تطوير أطر تنظيمية توازن بين تشجيع الابتكار والحد من المخاطر، دون إعاقة التطور التقني.
ويرى “دارون عجم أوغلو”، أستاذ الاقتصاد في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT)، أن المكاسب الاقتصادية للذكاء الاصطناعي ليست حتمية، بل تعتمد على السياسات العامة التي توجه استخدامه نحو رفع الإنتاجية، وتعزيز الابتكار، وخلق وظائف ومهارات جديدة، بدلاً من الاقتصار على إحلال الآلات محل العمالة البشرية.
كما تؤكد تقارير “منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية” (OECD)، و”منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة” (اليونسكو)، و”منتدى الاقتصاد العالمي”، و”مؤشر ستانفورد للذكاء الاصطناعي” (Stanford AI Index)، أن الدول الأكثر قدرة على المنافسة ستكون تلك التي تستثمر في التعليم والبحث العلمي، وتطور البنية الرقمية، وتعزز الأمن السيبراني، وتوفر بيئات تنظيمية مرنة تدعم الابتكار المسؤول، وتشير هذه التقارير أيضًا إلى أن العقد المقبل سيشهد توسعًا متسارعًا في تطبيقات الذكاء الاصطناعي في مجالات الرعاية الصحية، والتعليم، والصناعة، والطاقة، والزراعة، والخدمات الحكومية، مع تزايد الحاجة إلى التعاون الدولي لوضع معايير مشتركة تضمن الاستخدام الآمن والمسؤول لهذه التكنولوجيا.
وفي ضوء هذه التحولات، يتفق معظم الباحثين على أن سباق الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد منافسة تقنية، بل أصبح سباقًا على النفوذ الاقتصادي والعلمي والاستراتيجي، فالدول التي ستنجح في الجمع بين البحث العلمي، والبيانات، والقدرات الحاسوبية، ورأس المال البشري، والبنية التحتية الرقمية، ستكون الأوفر حظًا في قيادة الاقتصاد العالمي وصياغة موازين القوة خلال العقود القادمة.
