الهجرة واستقطاب العقول..السباق العالمي على رأس المال البشري
من الجامعات إلى المختبرات.. هل أصبحت الكفاءات العلمية أحد أهم عناصر القوة الدولية؟
- معاذ الجمال
- 13 يوليو، 2026
- اقتصاد الرائد, تقارير وترجمات
- أخبار الذكاء الاصطناعي, اخبارجريدة الرائد, اقتصاد, الاقتصادات النامية, البنك الدولي, التكنولوجيا المتقدمة, الدول النامية, الذكاء الأصطناعي
تغيرت معايير المنافسة بين الدول الكبرى، فلم تعد تُقاس فقط بحجم الاقتصادات أو القدرات العسكرية أو وفرة الموارد الطبيعية، بل أصبحت تعتمد بصورة متزايدة على القدرة على جذب العقول المتميزة والاحتفاظ بها، ففي عصر الاقتصاد القائم على المعرفة، يمثل العلماء والباحثون والمهندسون ورواد الأعمال الثروة الأكثر قيمة، لأنهم يقودون الابتكار ويطورون التقنيات التي ترسم ملامح المستقبل.
ومن الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحيوية إلى أشباه الموصلات والطاقة النظيفة، باتت الكفاءات البشرية العامل الحاسم في تعزيز التنافسية الاقتصادية والأمن التكنولوجي، وهو ما دفع العديد من الحكومات إلى تطوير سياسات هجرة تستهدف أصحاب المهارات العالية، باعتبارهم أحد أهم محركات النمو والريادة العالمية.
سباق عالمي على الكفاءات..
تشير بيانات “منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية” (OECD)، إلى أن الاقتصادات المتقدمة تشهد تنافسًا متزايدًا لاستقطاب أصحاب المهارات العالية، مدفوعة بعوامل عدة، أبرزها الشيخوخة السكانية في عدد من الدول الصناعية، والنقص المتزايد في الكفاءات المتخصصة في مجالات التكنولوجيا والهندسة والرعاية الصحية والبحث العلمي، كما تؤكد “منظمة الهجرة الدولية” (IOM)، أن تنقل الكفاءات أصبح أحد أبرز سمات الاقتصاد العالمي الحديث، مع تزايد اعتماد الدول على رأس المال البشري بوصفه ركيزة للنمو والابتكار.
ولا تزال “الولايات المتحدة” تتصدر قائمة الوجهات الأكثر جذبًا للباحثين والعلماء، بفضل جامعاتها الرائدة، وقوة منظومتها البحثية، وضخامة الإنفاق على البحث والتطوير، إضافة إلى بيئتها الداعمة للشركات الناشئة والتكنولوجيا المتقدمة، وتوضح “مؤسسة العلوم الوطنية الأمريكية” (NSF)، أن نسبة كبيرة من الباحثين والعاملين في العلوم والهندسة داخل الجامعات والمؤسسات البحثية الأمريكية وُلدوا “خارج الولايات المتحدة”، وأسهموا بصورة مؤثرة في التقدم العلمي والابتكار.
ويؤكد “ويليام كير”، (أستاذ إدارة الأعمال في كلية هارفارد للأعمال)، أن المنافسة الدولية لم تعد تقتصر على جذب الاستثمارات، بل أصبحت تركز على استقطاب الأشخاص الموهوبين أنفسهم، لأنهم من يؤسسون الشركات المبتكرة، ويقودون الأبحاث، ويخلقون الوظائف ذات القيمة المضافة العالية.
استراتيجيات الدول لبناء اقتصاد المعرفة..
في مواجهة المنافسة المتصاعدة، عززت “الصين” خلال العقدين الماضيين استثماراتها في الجامعات ومراكز الأبحاث، إلى جانب إطلاق برامج متعددة لتشجيع العلماء الصينيين العاملين في الخارج على العودة، بالتوازي مع زيادة الإنفاق على البحث والتطوير، وتشير تحليلات “معهد ميركاتور للدراسات الصينية” (MERICS)، إلى أن هذه السياسات أسهمت في رفع أعداد الباحثين العائدين وتعزيز القدرات العلمية المحلية، رغم استمرار اعتماد كثير من الباحثين الصينيين على التعاون الدولي.
كما أصبحت “كندا” و”أستراليا” و”المملكة المتحدة” و”ألمانيا” و”سنغافورة” من أبرز الدول التي تتبنى برامج هجرة موجهة لاستقطاب العلماء والباحثين ورواد الأعمال والمتخصصين في القطاعات التقنية، ويرى “ديميتري باباديميتريو”، المؤسس والرئيس الفخري لـمعهد سياسة الهجرة (MPI)، أن سياسات الهجرة القائمة على المهارات تحولت إلى جزء أساسي من الاستراتيجيات الاقتصادية والتنافسية، ولم تعد مجرد وسيلة لسد احتياجات أسواق العمل.
ويمتد هذا التنافس إلى استقطاب الطلاب الدوليين، إذ توضح بيانات “اليونسكو” أن ملايين الطلاب يدرسون خارج بلدانهم سنويًا، بينما تتنافس الجامعات العالمية على جذبهم باعتبارهم مصدرًا مهمًا للمواهب المستقبلية، ويشير “فيليب ألتباخ”، (أستاذ التعليم العالي في كلية بوسطن)، إلى أن الطلاب الدوليين يسهمون في دعم البحث العلمي والاقتصاد المحلي، كما يشكل كثير منهم جزءًا من القوى العاملة المؤهلة بعد التخرج.
وفي “أوروبا”، يمثل “نظام البطاقة الزرقاء الأوروبية”، إحدى أبرز الأدوات لاستقطاب أصحاب الكفاءات من خارج “الاتحاد الأوروبي”، بينما طورت “اليابان” و”كوريا الجنوبية” سياسات تستهدف الباحثين والمتخصصين في الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والروبوتات، في إطار مواجهة تحديات الشيخوخة السكانية ونقص العمالة الماهرة.
بين مكاسب الدول المتقدمة وتحديات الدول النامية..
في المقابل، تثير المنافسة العالمية على الكفاءات مخاوف متزايدة لدى الدول النامية، خاصة مع استمرار هجرة الأطباء والمهندسين والباحثين إلى الاقتصادات المتقدمة، وهو ما قد يضعف قدراتها على تطوير قطاعاتها الحيوية، ويرى “هوارد ديفيز”، (المدير السابق لـ”كلية لندن” للأعمال)، أن انتقال الكفاءات من الدول منخفضة ومتوسطة الدخل إلى الاقتصادات الأكثر تقدمًا قد يؤدي إلى اتساع فجوة التنمية إذا لم يصاحبه استثمار أكبر في التعليم والبحث العلمي، إلى جانب آليات فعالة لنقل المعرفة والتعاون الأكاديمي.
وتشير تقديرات “البنك الدولي” إلى أن تحويلات المهاجرين تمثل مصدرًا مهمًا للدخل في العديد من الدول النامية، إلا أنها لا تعوض بالكامل خسارة الكفاءات المتخصصة، خصوصًا في القطاعات الطبية والعلمية، لذلك اتجهت بعض الحكومات إلى إنشاء برامج للتواصل مع العلماء المقيمين في الخارج، وتشجيعهم على المساهمة في المشروعات البحثية والاستثمارية ونقل الخبرات دون اشتراط العودة الدائمة.
ويرى الباحث الأمريكي “ريتشارد فلوريدا” أن القدرة على جذب العقول ترتبط بوجود بيئة داعمة للابتكار، تشمل جودة التعليم، وتمويل البحث العلمي، والانفتاح على المواهب العالمية، وارتفاع جودة الحياة، وتتفق تحليلات “OECD” و”البنك الدولي” و”معهد سياسة الهجرة” على أن التنافس على رأس المال البشري سيزداد حدة خلال العقود المقبلة مع تسارع تطور الذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة، ليصبح استقطاب العلماء والمهندسين والباحثين أحد أهم مؤشرات القوة الاقتصادية والتكنولوجية في النظام الدولي، إلى جانب الموارد الطبيعية ورأس المال والقدرات الصناعية.
