المعايير التقنية الدولية.. معركة خفية ترسم مستقبل الاقتصاد العالمي
كيف أصبحت المواصفات الفنية واللوائح التنظيمية أداة نفوذ بين القوى الكبرى؟
- معاذ الجمال
- 13 يوليو، 2026
- اقتصاد الرائد, تقارير وترجمات
- أخبار كوريا الشمالية, اخبارجريدة الرائد, اقتصاد الصين, الاتحاد الأوروبي, الاقتصاد, الامم المتحدة, الذكاء الأصطناعي, الولايات الأمريكية, اليابان
لم يعد التنافس بين القوى الكبرى يقتصر على تطوير التقنيات أو امتلاك المصانع ومراكز الأبحاث، بل امتد إلى مرحلة أكثر عمقًا تتمثل في صياغة القواعد الفنية التي تحكم عمل التكنولوجيا الحديثة، فالمعايير التقنية الدولية، التي تبدو للوهلة الأولى مجرد مواصفات هندسية، أصبحت اليوم إحدى أهم أدوات النفوذ الاقتصادي والجيوسياسي، إذ تحدد كيفية عمل شبكات الاتصالات، والذكاء الاصطناعي، وأشباه الموصلات، وإنترنت الأشياء، والمركبات الكهربائية، والأمن السيبراني.
ومن يشارك بفاعلية في وضع هذه المعايير لا يضمن فقط توافق منتجاته مع الأسواق العالمية، بل يعزز أيضًا فرص شركاته في الانتشار، ويزيد من قيمة براءات الاختراع التي تمتلكها، ويؤثر في اتجاهات الاستثمار والتجارة لعقود مقبلة، وهو ما جعل المنافسة داخل هيئات توحيد المقاييس الدولية جزءًا لا يتجزأ من سباق القيادة التكنولوجية العالمي.
سباق النفوذ عبر المعايير..
تتولى هيئات دولية متخصصة، أبرزها “الاتحاد الدولي للاتصالات” (ITU)، والمنظمة الدولية لتوحيد المقاييس (ISO)، واللجنة الكهروتقنية الدولية (IEC)، إعداد آلاف المعايير التي تنظم الصناعات والمنتجات والخدمات التقنية حول العالم، ورغم أن هذه المؤسسات تعتمد على التوافق الفني بين الخبراء، فإن الدول والشركات الكبرى تتنافس بقوة داخل لجانها لضمان إدراج التقنيات التي تطورها ضمن المواصفات العالمية، ويرى الباحث “تيم روهليغ” من “المعهد الأوروبي للدراسات الصينية”، أن المنافسة على وضع المعايير أصبحت امتدادًا مباشرًا للتنافس الجيوسياسي، لأن من يساهم في كتابة القواعد يمتلك قدرة أكبر على التأثير في الأسواق العالمية مستقبلًا.
وفي هذا السياق، تحتفظ “الولايات المتحدة” بثقل كبير بفضل شركاتها الرائدة في “البرمجيات” و”الحوسبة السحابية” و”أشباه الموصلات”، بينما عززت “الصين” حضورها داخل منظمات توحيد المقاييس الدولية بالتوازي مع توسع شركاتها في مجالات الاتصالات والطاقة النظيفة والمركبات الكهربائية، أما “الاتحاد الأوروبي”، فيستفيد من قوة سوقه الموحدة ومنظومته التشريعية لدفع الشركات العالمية إلى الالتزام بمعاييره، خاصة في حماية البيانات والاستدامة والذكاء الاصطناعي، وهي الظاهرة التي وصفتها الباحثة “أنو برادفورد” في كتابها (The Brussels Effect) بأنها قدرة “الاتحاد الأوروبي” على تحويل لوائحه التنظيمية إلى معايير عالمية بحكم حجم سوقه، وليس لأنه الجهة الرسمية الوحيدة التي تضع المعايير التقنية.
آسيا تصعد..والتشريعات تنافس التكنولوجيا..
إلى جانب “الولايات المتحدة” و”أوروبا” و”الصين”، تواصل “اليابان” و”كوريا الجنوبية” لعب دور محوري في تطوير المعايير الخاصة بالإلكترونيات والاتصالات وأشباه الموصلات، مستفيدتين من ريادتهما الصناعية وشركاتهما العالمية في هذه القطاعات، كما تعمل “الهند” على توسيع مشاركتها في منظمات توحيد المقاييس الدولية، مع التركيز على الاقتصاد الرقمي وأنظمة المدفوعات والذكاء الاصطناعي، في إطار سعيها إلى تعزيز مكانتها كقوة تكنولوجية صاعدة.
ويرى “كاي-فو لي”، الرئيس السابق لـ«غوغل الصين» ومؤسس (شركة Sinovation Ventures)، أن المنافسة التقنية لم تعد تدور حول تطوير المنتجات فقط، بل تشمل أيضًا النظم البيئية التي تعتمد عليها، مثل البروتوكولات والمعايير والمنصات الرقمية، ومن الناحية الاقتصادية، تؤكد “منظمة التجارة العالمية” (WTO)، أن توحيد المعايير يسهم في تقليل العوائق الفنية أمام التجارة وتخفيض تكاليف الإنتاج، بينما يؤدي اختلاف المواصفات بين الأسواق إلى زيادة النفقات وتعقيد حركة التجارة الدولية، وهو ما يدفع الحكومات والشركات إلى المشاركة المبكرة في عمليات إعداد المعايير بدلًا من الاكتفاء بتطبيقها بعد اعتمادها.
الذكاء الاصطناعي.. ساحة المعايير المقبلة..
يمتد التنافس اليوم إلى وضع الأطر التنظيمية للذكاء الاصطناعي، التي أصبحت عنصرًا مكملًا للمعايير التقنية التقليدية، فقد اعتمدت “منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية” (OECD) مبادئ دولية للذكاء الاصطناعي المسؤول، وأقرت “اليونسكو” توصيتها بشأن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، كما دخل قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي حيز التنفيذ تدريجيًا باعتباره أول إطار تشريعي شامل ينظم استخدام هذه التقنيات، بينما تطور دول عديدة تشريعاتها الوطنية وفق أولوياتها الاقتصادية والأمنية.
ويؤكد “جيم لويس”، نائب الرئيس الأول في مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية (CSIS)، أن المعايير التقنية أصبحت مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالأمن القومي، لأن تصميم شبكات الاتصالات والبنية الرقمية والأنظمة الصناعية يؤثر في مستويات الأمن والخصوصية والقدرة التنافسية للدول.
كما يرى الباحث الأوروبي “ماركوس يالميروتو” المتخصص في “حوكمة التكنولوجيا” أن المنافسة المستقبلية لن تقتصر على الشركات أو الابتكارات، بل ستشمل أيضًا النماذج التنظيمية التي تحدد كيفية استخدام التقنيات، لذلك يجمع خبراء ITU وISO وIEC وOECD وCSIS على أن المشاركة في صياغة المعايير الدولية لم تعد مسألة تقنية بحتة، بل أصبحت أحد أهم أدوات القوة الاقتصادية والاستراتيجية، لما تمنحه من تأثير طويل الأمد في التجارة والصناعة والبحث العلمي والابتكار.
