العلاقات الهندية الأفغانية تؤجج التوترات الأمنية مع باكستان
مع تصاعد التوترات الحدودية
- السيد التيجاني
- 13 يوليو، 2026
- تقارير وترجمات
- أفغانستان, الهند, باكستان, تصاعد التوترات الحدودية, كابول
منذ عودة حركة طالبان إلى السلطة في أفغانستان عام 2021، دخلت العلاقات الإقليمية مرحلة جديدة اتسمت بتبدل التحالفات وتغير موازين النفوذ. وبينما كانت باكستان تتوقع أن يؤدي وصول طالبان إلى الحكم إلى تعزيز نفوذها في كابول، برزت مؤشرات على استمرار قنوات التواصل بين الهند وأفغانستان، الأمر الذي أثار قلقًا متزايدًا في إسلام آباد، خاصة مع تصاعد التوترات الحدودية والهجمات الأمنية بين الجانبين.
ورغم أن الهند لم تعترف رسميًا بحكومة طالبان، فإنها أعادت فتح بعثتها الدبلوماسية في كابول بصورة تدريجية، واستأنفت المساعدات الإنسانية، كما حافظت على اتصالات سياسية مع السلطات الأفغانية، في خطوة فسرها مراقبون بأنها محاولة للحفاظ على نفوذها في أفغانستان ومنع احتكار باكستان للساحة الأفغانية.
جذور العلاقة بين نيودلهي وكابول
العلاقات بين الهند وأفغانستان ليست وليدة السنوات الأخيرة، بل تمتد لعقود. وقد شهدت تطورًا ملحوظًا بعد عام 2001، عندما أصبحت الهند أحد أكبر الداعمين لإعادة إعمار أفغانستان، حيث موّلت مشاريع للبنية التحتية، وبنت مبنى البرلمان الأفغاني، وساهمت في إنشاء الطرق والسدود والمستشفيات، وقدمت منحًا دراسية وتدريبًا للكوادر الأفغانية.
هذه الاستثمارات عززت صورة الهند كشريك تنموي، ومنحتها نفوذًا سياسيًا داخل أفغانستان، وهو ما اعتبرته باكستان تحديًا مباشرًا لمصالحها الأمنية.
لماذا تنظر باكستان بقلق؟
ترى باكستان أن أي حضور هندي واسع في أفغانستان قد يخلق ضغطًا استراتيجيًا عليها من الجهتين الشرقية والغربية، وهو ما تصفه بعض الأدبيات الأمنية الباكستانية بـ”التطويق الاستراتيجي”.
كما تتهم إسلام آباد جهات داخل أفغانستان بغض الطرف عن نشاط جماعات مسلحة تستهدف الأراضي الباكستانية، وعلى رأسها حركة “تحريك طالبان باكستان”، وتعتقد أن تنامي العلاقات الهندية الأفغانية قد يمنح خصومها الإقليميين مساحة أكبر للتأثير في المشهد الأمني.
في المقابل، تنفي الهند هذه الاتهامات، وتؤكد أن وجودها في أفغانستان يقتصر على التعاون التنموي والإنساني، بينما تنفي السلطات الأفغانية استخدام أراضيها للإضرار بدول الجوار.
المصالح الهندية في أفغانستان
ترى نيودلهي أن أفغانستان تمثل أهمية استراتيجية لعدة أسباب، أبرزها:
منع تحول البلاد إلى ملاذ للجماعات التي قد تهدد الأمن الإقليمي.
الحفاظ على مشاريعها الاقتصادية والاستثمارية.
تعزيز الاتصال بآسيا الوسطى عبر الممرات التجارية.
موازنة النفوذ الباكستاني والصيني في المنطقة.
دعم الاستقرار الإقليمي بما يخدم مصالحها الاقتصادية والأمنية.
تأثير التقارب على الأزمة الأفغانية الباكستانية
شهدت الحدود بين أفغانستان وباكستان خلال السنوات الأخيرة اشتباكات متكررة، إلى جانب تبادل للاتهامات بشأن إيواء جماعات مسلحة.
ويرى محللون أن استمرار التعاون بين الهند وأفغانستان يضيف بعدًا جيوسياسيًا للأزمة، إذ تعتبره باكستان عاملًا يزيد من تعقيد علاقاتها مع كابول، حتى وإن كان التعاون في مجالات مدنية.
في المقابل، يرى مسؤولون وخبراء هنود أن إقامة علاقات مع أفغانستان حق سيادي، وأن ربطها بالتوترات الحدودية يعكس خلافات أعمق بين كابول وإسلام آباد.
آراء الخبراء
يرى الباحث الباكستاني حسن عسكري رضوي أن باكستان تنظر تاريخيًا إلى أفغانستان باعتبارها جزءًا من بيئتها الأمنية، ولذلك فإن أي توسع للدور الهندي هناك يثير حساسيتها الاستراتيجية.
أما الباحث الهندي سي راجا موهان فيعتبر أن الهند تسعى إلى بناء علاقات طبيعية مع جميع دول الجوار، وأن وجودها في أفغانستان يهدف إلى دعم التنمية والاستقرار، وليس إلى فتح جبهة ضد باكستان.
من جهته، يشير الباحث في شؤون جنوب آسيا مايكل كوجلمان إلى أن المنافسة الهندية الباكستانية تظل أحد العوامل المؤثرة في المشهد الأفغاني، لكن الأزمة الحالية ترتبط أيضًا بقضايا الحدود والإرهاب واللاجئين، وليس فقط بالتنافس الإقليمي.
ردود الفعل الإقليمية
تتابع الصين وإيران ودول آسيا الوسطى هذا المشهد بحذر، إذ تخشى هذه الدول أن يؤدي استمرار التوتر بين أفغانستان وباكستان إلى تهديد مشروعات التجارة والطاقة والربط الإقليمي.
كما تدعو الأمم المتحدة وعدد من القوى الدولية إلى تعزيز الحوار بين كابول وإسلام آباد، والتعاون في مكافحة الجماعات المسلحة ومنع التصعيد العسكري.
من المستفيد ومن الخاسر؟
يرى مراقبون أن استمرار الخلاف يضر بمصالح الدول الثلاث. فباكستان تواجه تحديات أمنية على حدودها الغربية، وأفغانستان تحتاج إلى علاقات مستقرة مع جيرانها لتجاوز أزمتها الاقتصادية، بينما تسعى الهند إلى الحفاظ على نفوذها الإقليمي دون الانجرار إلى مواجهة مباشرة.
في المقابل، قد تستفيد الجماعات المسلحة من استمرار التوتر، إذ يعرقل ضعف التنسيق الأمني جهود مكافحة الإرهاب ويزيد هشاشة المنطقة.
هل توجد فرص للحل؟
يرى خبراء أن خفض التوتر يتطلب إجراءات متوازية تشمل:
تعزيز الحوار الأمني المباشر بين كابول وإسلام آباد.
منع استخدام أراضي أي دولة لتهديد دولة أخرى.
توسيع التعاون الاقتصادي والحدودي.
إشراك القوى الإقليمية في مبادرات لبناء الثقة.
الفصل بين التنافس الإقليمي وملفات الأمن المشترك.
تبقى العلاقات بين الهند وأفغانستان إحدى القضايا الحساسة في معادلة جنوب آسيا، لكنها ليست العامل الوحيد في التوتر بين كابول وإسلام آباد. فالأزمة ترتبط أيضًا بإرث تاريخي طويل، وخلافات حدودية، وملفات أمنية معقدة. ومن المرجح أن يستمر هذا التداخل بين المنافسة الجيوسياسية والتحديات الأمنية ما لم تنجح الأطراف المعنية في بناء آليات حوار وتعاون تقلل من احتمالات التصعيد وتدعم استقرار المنطقة.
