انصاف محمود شاكر للأمويين ولسيد قطب

أيوب حبارة يكتب

كنتُ في السابق أسيء إلى بني أمية رحمهم الله، أو أنتقص من قدر بعضهم، أو أسكت عن الطعن فيهم، بل كنت أحمل في داخلي شيئًا من الكراهية تجاههم؛ شأنِي في ذلك شأن كثير من أبناء الأمة الإسلامية، ممن تأثروا بما شاع في كتب التاريخ، وما اختلط فيها من الروايات الصحيحة والضعيفة، وما تركته الصراعات السياسية والعصبيات من أثر في نقل أحداث الفتنة الكبرى. كما كان للميل العاطفي إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه، لقرابته من رسول الله ﷺ، وما جرى بينه وبين معاوية رضي الله عنهما، وما وقع بعد ذلك بين الدولة الأموية وبعض أبناء آل علي، أثرٌ في تكوين تلك الصورة الذهنية.

وفي يوم من الأيام كنت أقرأ إحدى الشبهات التي يثيرها بعض المداخلة حول سيد قطب رحمه الله، ويتهمونه فيها بالإساءة إلى عدد من الصحابة من بني أمية، وأن شيخ العربية والمحقق الكبير محمود محمد شاكر رحمه الله تصدى له ورد عليه في مقالات عظيمة أنصف فيها الصحابة، وذب عن أعراضهم. فدفعتني تلك الدعوى إلى قراءة تلك المقالات بنفسي، فإذا بي أقف أمام نموذج نادر في الإنصاف؛ إذ لم يمنع محمود محمد شاكر نسبه الذي ينتهي إلى الحسين بن علي رضي الله عنهما من الدفاع عن معاوية بن أبي سفيان، وأبيه أبي سفيان، وأمه هند بنت عتبة، وعمرو بن العاص رضي الله عنهم، بل تناول كذلك ما أثير حول يزيد بن معاوية بمنهج التحقيق والتمحيص.

ومن أشهر مقالاته في هذا الباب:

* حكم بلا نية.
* تاريخ بلا إيمان.
* لا تسبوا أصحابي.
* ألسنة المفترين.

وخلاصة ما قررَّه محمود محمد شاكر أن من الظلم تصوير أبي سفيان بن حرب رضي الله عنه وكأنه دخل الإسلام بدافع المصلحة السياسية، أو أن آثار الجاهلية بقيت متحكمة فيه بعد إسلامه؛ وعدَّ ذلك طعنًا في صحابي حسن إسلامه وشهد له التاريخ الإسلامي بمواقفه بعد الفتح.

كما رأى أن تصوير معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه بأنه جعل الخلافة ملكًا دنيويًا، أو أن دافعه كان مجرد حب السلطان، هو حكم على النيات بغير بينة، وأن وصفه بإحياء العصبية الجاهلية ظلم تاريخي لا يقوم على دليل صحيح. وأكد أنه صحابي جليل، وكاتب من كتّاب الوحي، فلا يجوز أن يُتناول بما يوحي بالفسق أو فساد القصد.

وأما هند بنت عتبة رضي الله عنها، فاعترض شاكر على استحضار ماضيها في الجاهلية للطعن فيها بعد إسلامها، مؤكدًا أن الإسلام يجبُّ ما قبله، وأنها أسلمت وبايعت رسول الله ﷺ، فلا يصح أن تُجعل أفعالها قبل الإسلام وسيلة للنيل منها أو من ابنها معاوية، كما عدَّ ربط سياسة بني أمية بما كانت عليه أمه في الجاهلية من أبعد ما يكون عن الإنصاف والمنهج العلمي.

وأما يزيد بن معاوية، فقد تناول شاكر ما كُتب عنه بمنهج يقوم على التحقيق لا على العاطفة. ففي مقاله “ألسنة المفترين” بيَّن أن أصل الداء في قراءة التاريخ هو اتباع الهوى؛ إذ ينتقي الكاتب الروايات التي توافق رأيه ويترك ما يخالفها، فتضيع الحقيقة ويُحرَّف التاريخ. ولهذا دعا إلى التثبت والإنصاف، ورأى أن كثيرًا من الاتهامات الموجهة إلى يزيد مبنية على روايات ضعيفة أو منقطعة، وأن الجزم بأنه أمر بقتل الحسين بن علي رضي الله عنه يحتاج إلى دليل صحيح، كما رفض تصويره رمزًا للفسق اعتمادًا على أخبار لم تثبت عند التحقيق، وعدَّ ذلك من الظلم التاريخي.

ويبقى العدل واجبًا مع الجميع؛ فمن الإنصاف أيضًا أن نذكر أن سيد قطب رحمه الله قد راجع عددًا من العبارات التي انتقده عليها محمود محمد شاكر، فحذف بعضها وعدَّل بعضها الآخر في الطبعات اللاحقة من كتاب “العدالة الاجتماعية في الإسلام”، كما ظهر في كتبه المتأخرة، ولا سيما “في ظلال القرآن” و”هذا الدين”، ثناءٌ حسن على معاوية وعمرو بن العاص وأبي سفيان رضي الله عنهم. كما نُقل عنه أنه لم يكن يرى الاعتماد على مؤلفاته الأولى، وأوصى بالاعتماد على كتبه التي تمثل آخر ما استقر عليه اجتهاده وفكره.

لقد خرجت من هذه الرحلة بقناعة راسخة، وهي أن أخطر ما يفسد قراءة التاريخ هو الهوى، وأن الإنصاف لا يكون بموالاة الأشخاص أو معاداتهم، وإنما بإعطاء كل ذي حق حقه، وقبول الحق ممن جاء به، ورد الخطأ مهما كان قائله. وهذا هو الدرس الأعظم الذي تعلمته من قراءة محمود محمد شاكر رحمه الله.

– وفي الختام، أنصح كل من يهمه هذا الباب أن يقرأ مقالات شيخ العربية محمود محمد شاكر رحمه الله كاملة، وألا يكتفي بما كتبته هنا؛ فما ذكرته ليس إلا خلاصة مختصرة لما خرجتُ به من قراءتي، وقد يكون قد فاتني شيء أو قصَّرت في نقل بعض المعاني. والإنصاف يقتضي الرجوع إلى كلام المؤلف نفسه، فهو أقدر على بيان مراده، ولا غنى عن قراءة المقالات كاملة لمن أراد الوقوف على حججه وأسلوبه ومنهجه في نقد الروايات التاريخية. كما أرجو ألا يكون في قلوبكم شيء على الأستاذ سيد قطب رحمه الله؛ فقد راجع كثيرًا من العبارات التي انتُقد عليها، وكان ذلك في مرحلة من مراحل فكره قبل أن يستقر على ما يظهر في مؤلفاته المتأخرة. والعدل لا يكتمل إلا بذكر الخطأ وذكر الرجوع عنه معًا.

اترك تعليقا