هل تستهدف إيران ترامب ؟
اتهامات متبادلة وتشكيك استخباراتي
- محمود الشاذلي
- 14 يوليو، 2026
- تقارير وترجمات
- إيران, ترامب, قائمة الاغتيالات الإيرانية, واشنطن وطهران
عاد ملف التهديدات الإيرانية ضد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى صدارة المشهد الدولي، بعدما أعاد الرئيس الأمريكي الحديث عن وجوده على رأس قائمة الاغتيالات الإيرانية، في تصريحات تزامنت مع تقارير استخباراتية وتسريبات إعلامية أثارت جدلاً واسعاً داخل الولايات المتحدة بشأن طبيعة التهديدات الحقيقية، وحدود الثقة في المعلومات القادمة من إسرائيل، وانعكاسات ذلك على مستقبل العلاقة مع طهران.
فالملف لم يعد يتعلق بمجرد تحذيرات أمنية، بل أصبح يعكس صراعاً استخباراتياً وسياسياً تتداخل فيه حسابات الردع، والمصالح الإقليمية، والخلافات داخل دوائر صنع القرار الأمريكية، بينما تتابع العواصم الأوروبية التطورات بقلق خشية أن تقود أي تقديرات خاطئة إلى مواجهة عسكرية جديدة في الشرق الأوسط.
تصريحات تعيد الأزمة إلى الواجهة
قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إنه يتصدر قائمة الأشخاص الذين تسعى إيران إلى اغتيالهم، مؤكداً أن طهران تعتبره المسؤول الأول عن الضربات التي استهدفت قادتها خلال فترة رئاسته، وعلى رأسها عملية اغتيال قائد “فيلق القدس” السابق قاسم سليماني في بغداد عام 2020.
وأرفق ترامب تصريحاته بتحذير شديد اللهجة، مؤكداً أن أي محاولة إيرانية لاستهدافه ستُقابل برد أمريكي قاسٍ، في رسالة فسّرها مراقبون بأنها محاولة لتعزيز سياسة الردع وإظهار أن واشنطن لن تتسامح مع أي تهديد يمس قياداتها السياسية.
وفي السياق نفسه، أكد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن إيران تنظر إلى ترامب باعتباره “الخصم الأول”، مشيراً إلى أن سياسات إدارته السابقة تركت أثراً عميقاً في الحسابات الإيرانية، سواء عبر الانسحاب من الاتفاق النووي أو فرض العقوبات الاقتصادية أو تنفيذ عمليات عسكرية ضد شخصيات بارزة في الحرس الثوري.
واشنطن تحقق… لكنها لا تتبنى كل الروايات
رغم التحذيرات المتداولة، فإن المؤسسات الأمنية الأمريكية تبدو أكثر حذراً في التعامل مع الملف.
فوفقاً لتقارير إعلامية، تتابع أجهزة الاستخبارات الأمريكية معلومات تتعلق بمناقشات أجرتها جهات مرتبطة بإيران حول استهداف مسؤولين أمريكيين، إلا أن هذه الأجهزة لم تتوصل إلى أدلة تؤكد وجود خطة تنفيذية جاهزة أو عملية وشيكة.
وتشير مصادر مطلعة إلى أن التقييم الأمريكي يفرق بين وجود نوايا أو رغبات انتقامية وبين امتلاك القدرة الفعلية على تنفيذ عملية بهذا الحجم، وهو ما يدفع الأجهزة المختصة إلى مواصلة المراقبة دون تبني استنتاجات نهائية.
شكوك حول المعلومات الإسرائيلية
أحد أبرز جوانب الأزمة يتمثل في الجدل الدائر داخل واشنطن بشأن التقارير الواردة من إسرائيل.
فبحسب تسريبات إعلامية، ينظر بعض المسؤولين الأمريكيين إلى جزء من المعلومات الإسرائيلية بحذر، معتبرين أن توقيت تسريبها قد يكون مرتبطاً بمحاولة دفع الإدارة الأمريكية نحو تشديد موقفها من إيران.
ولا يعني ذلك رفض واشنطن للتعاون الاستخباراتي مع إسرائيل، لكنه يعكس حرص المؤسسات الأمريكية على مراجعة المعلومات الواردة من أي جهة، حتى وإن كانت حليفاً استراتيجياً، قبل البناء عليها في اتخاذ قرارات قد تجر المنطقة إلى تصعيد واسع.
ويرى خبراء أن هذه المقاربة تعكس دروساً استخلصتها الولايات المتحدة من أزمات سابقة، عندما أدى الاعتماد على معلومات استخباراتية غير مكتملة إلى قرارات عسكرية وسياسية أثارت جدلاً كبيراً.
معركة ردع تتجاوز الشرق الأوسط
لا تقتصر أبعاد القضية على العلاقات الأمريكية الإيرانية، بل تمتد إلى الأمن القومي الأمريكي بشكل أوسع.
فالحديث عن تهديد يستهدف رئيساً أمريكياً سابقاً يدفع الأجهزة الفيدرالية إلى تعزيز إجراءات الحماية، كما يفتح الباب أمام مراجعة الأنشطة الإيرانية وشبكاتها المحتملة داخل الولايات المتحدة وخارجها.
وفي الوقت ذاته، قد تنعكس هذه التطورات على سياسة واشنطن تجاه أمريكا اللاتينية، حيث تراقب الإدارة الأمريكية منذ سنوات النشاط الإيراني في بعض دول المنطقة، سواء عبر العلاقات الدبلوماسية أو الشبكات الاقتصادية والثقافية، وهو ما قد يؤدي إلى ضغوط أمريكية أكبر على الحكومات الحليفة لتشديد الرقابة والتعاون الأمني.
أوروبا بين دعم واشنطن وتجنب التصعيد
في المقابل، تتعامل الدول الأوروبية مع الملف بحذر شديد، إدراكاً منها أن أي تصعيد جديد قد يقضي على ما تبقى من فرص الحوار مع إيران.
وتخشى العواصم الأوروبية أن تؤدي الاتهامات المتبادلة أو أي حادث أمني إلى ردود فعل متسلسلة تشمل الخليج وممرات الطاقة الدولية، وهو ما ستكون له انعكاسات مباشرة على الاقتصاد الأوروبي وأسواق الطاقة العالمية.
كما يرى باحثون أوروبيون أن الخلافات بين واشنطن وبعض حلفائها الأوروبيين بشأن إدارة الملف الإيراني ما زالت قائمة، إذ تفضل أوروبا استمرار المسار الدبلوماسي، بينما يميل تيار داخل الولايات المتحدة وإسرائيل إلى تعزيز سياسة الردع والضغط.
بين الواقع والرسائل السياسية
يرى محللون أن التهديدات الإيرانية لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد دعاية سياسية، لكنها في الوقت ذاته تدخل ضمن إطار الحرب النفسية المتبادلة بين الطرفين.
فإيران تحاول الإبقاء على خطاب الانتقام من المسؤولين عن مقتل سليماني، بينما تستخدم واشنطن هذه التهديدات لتبرير تعزيز إجراءاتها الأمنية وتأكيد ضرورة استمرار سياسة الردع.
أما إسرائيل، فتعتبر إبراز هذا الملف وسيلة لإقناع الولايات المتحدة وحلفائها بأن الخطر الإيراني لا يزال قائماً، وأن أي تخفيف للضغوط على طهران قد يمنحها مساحة أكبر للتحرك.
المشهد إلى أين؟
تشير المؤشرات الحالية إلى أن ملف التهديدات ضد ترامب سيظل حاضراً في أجندة المؤسسات الأمنية الأمريكية خلال المرحلة المقبلة، سواء بسبب استمرار التوتر مع إيران أو بسبب ارتباط القضية بحسابات داخلية وخارجية معقدة.
وفي ظل غياب أدلة معلنة على وجود عملية وشيكة، يبقى الملف محصوراً في إطار التحذيرات والتقديرات الاستخباراتية، لكنه يظل قادراً على التأثير في مسار العلاقات الأمريكية الإيرانية، وفي مستوى التنسيق الأمني بين واشنطن وحلفائها.
تكشف قضية “قائمة الاغتيالات الإيرانية” عن مشهد أكثر تعقيداً من مجرد تهديد أمني، إذ تعكس تداخلاً بين الاستخبارات والسياسة والدبلوماسية. وبينما تؤكد الولايات المتحدة أنها تأخذ أي تهديد ضد مسؤوليها بمنتهى الجدية، فإنها في الوقت نفسه تتعامل بحذر مع المعلومات الواردة من الحلفاء، في محاولة للفصل بين الحقائق الأمنية والضغوط السياسية. ومع استمرار التوتر بين واشنطن وطهران، يبقى هذا الملف أحد أكثر الملفات حساسية، وقابلاً لإعادة إشعال المواجهة في أي لحظة إذا ما تغيرت المعطيات على الأرض.
