التكنولوجيا وصعود القوى الجديدة يعيدان رسم خريطة الاقتصاد العالمي

الذكاء الاصطناعي والطاقة النظيفة يغيران موازين الانتاج

يشهد الاقتصاد العالمي مرحلة انتقالية غير مسبوقة تتجاوز المفاهيم التقليدية التي ربطت القوة الاقتصادية بحجم الموارد الطبيعية أو القدرات العسكرية وحدها، فمع تسارع الثورة الرقمية، وصعود الذكاء الاصطناعي، وتنامي أهمية البيانات والابتكار، أصبحت القدرة على إنتاج المعرفة وتطوير التكنولوجيا واستقطاب الكفاءات البشرية من أبرز محددات المكانة الاقتصادية للدول.

وفي الوقت نفسه، تؤدي التحولات الجيوسياسية وإعادة تشكيل سلاسل الإمداد العالمية إلى إعادة توزيع تدريجية لمراكز الإنتاج والاستثمار، بما يمنح الاقتصادات الناشئة أدوارًا أكبر دون أن يلغي ثقل الاقتصادات المتقدمة، وتشير تقديرات المؤسسات الدولية إلى أن العقدين المقبلين سيشهدان اقتصادًا عالميًا أكثر تنوعًا وتعددًا في مراكز النمو، تقوده التكنولوجيا، والاستثمار في الإنسان، والقدرة على التكيف مع المتغيرات المناخية والاقتصادية.

التكنولوجيا والابتكار.. المحرك الرئيسي للنمو

لم يعد النمو الاقتصادي في العقود المقبلة يعتمد بالدرجة الأولى على تراكم رأس المال أو وفرة الموارد الطبيعية، بل على الابتكار والإنتاجية وتطوير التكنولوجيا، وتشير توقعات “منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية” (OECD)، إلى استمرار تحول مركز الثقل الاقتصادي تدريجيًا نحو الاقتصادات الناشئة، ولا سيما في “آسيا”، مع بقاء الاقتصادات المتقدمة في صدارة الابتكار والبحث العلمي، كما يتوقع “صندوق النقد الدولي” أن تستحوذ الأسواق الناشئة على حصة متزايدة من النمو العالمي، مدفوعة بارتفاع الاستثمارات والإصلاحات الاقتصادية وتوسع الطبقة المتوسطة.

وفي مقدمة محركات هذا التحول يأتي “الذكاء الاصطناعي”، إذ تقدر “شركة PwC” (وهي واحدة من أكبر شركات الخدمات المهنية والاستشارات في العالم)، أن يسهم بما يصل إلى نحو 15.7 تريليون دولار في الاقتصاد العالمي بحلول عام 2030 من خلال رفع الإنتاجية وتحسين كفاءة القطاعات الصناعية والخدمية والرعاية الصحية والتعليم، بينما يُتوقع استمرار تأثيراته الإيجابية خلال العقد التالي مع اتساع نطاق تطبيقاته.

ويرى الاقتصادي “دارون عجم أوغلو”، أستاذ الاقتصاد في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT)، أن المكاسب الاقتصادية للذكاء الاصطناعي لن تتحقق تلقائيًا، وإنما ستعتمد على كيفية توظيفه وتنظيمه، محذرًا من أن سوء توزيع عوائده قد يؤدي إلى اتساع فجوات الدخل وعدم المساواة إذا لم تُدعَم التحولات التكنولوجية بسياسات فعالة في التعليم وإعادة تأهيل القوى العاملة.

كما تواصل “أشباه الموصلات” و”الرقائق الإلكترونية” ترسيخ مكانتها باعتبارها أحد أهم الأصول الإستراتيجية في الاقتصاد العالمي، نظرًا لدخولها في الصناعات الرقمية والسيارات الكهربائية والطيران والأنظمة الطبية والدفاعية، ويؤكد “كريس ميلر”، (مؤلف كتاب حرب الرقائق)، أن المنافسة العالمية على صناعة الرقائق أصبحت من أبرز مظاهر التنافس الاقتصادي والجيوسياسي، لأنها تمثل أساس معظم الصناعات المستقبلية.

وفي السياق ذاته، يؤكد الاقتصادي الحائز على جائزة نوبل “أنجوس ديتون” أن تحقيق نمو اقتصادي مستدام خلال العقود المقبلة يتطلب الاستثمار في رأس المال البشري، من خلال تحسين التعليم والرعاية الصحية، باعتبارهما المحرك الحقيقي للإنتاجية والابتكار ورفع مستويات المعيشة.

الطاقة والمعادن.. أسس الاقتصاد الصناعي الجديد

رغم تسارع التحول نحو الطاقة النظيفة، تشير سيناريوهات “وكالة الطاقة الدولية” (IEA)، إلى أن النفط والغاز سيظلان جزءًا مهمًا من مزيج الطاقة العالمي خلال العقود المقبلة، بالتوازي مع توسع كبير في استخدام مصادر الطاقة المتجددة والهيدروجين منخفض الانبعاثات وتقنيات تخزين الكهرباء، بما يعني أن المرحلة المقبلة ستتسم بتنوع مصادر الطاقة أكثر من الاستغناء السريع عن الوقود الأحفوري.

ويواكب هذا التحول ارتفاع غير مسبوق في أهمية المعادن الحرجة، مثل “الليثيوم” و”النيكل” و”الكوبالت” و”الجرافيت” والعناصر الأرضية النادرة، التي تعد مكونات أساسية في البطاريات والسيارات الكهربائية وشبكات الكهرباء والرقائق الإلكترونية وتقنيات الطاقة المتجددة، وتشير تقارير “وكالة الطاقة الدولية” و”البنك الدولي” إلى أن الطلب على عدد من هذه المعادن قد يرتفع عدة أضعاف خلال العقود المقبلة إذا استمرت وتيرة التحول نحو الاقتصاد منخفض الكربون.

ويرى الاقتصادي “جيفري ساكس”، (مدير مركز التنمية المستدامة في جامعة كولومبيا)، أن نجاح التحول الأخضر لن يتحقق بالاعتماد على التكنولوجيا وحدها، وإنما يحتاج أيضًا إلى استثمارات واسعة في البنية التحتية، والتعليم، والبحث العلمي، وتعزيز التعاون الدولي، بما يضمن انتقالًا أكثر عدالة واستدامة بين الاقتصادات المختلفة.

وفي المقابل، ستواصل الحكومات والشركات إعادة هيكلة سلاسل التوريد العالمية، بعد الدروس التي كشفتها “جائحة كورونا” و”التوترات الجيوسياسية”، من خلال تنويع مصادر الإنتاج وتقليل الاعتماد على مورد أو منطقة واحدة، وزيادة الاستثمارات في التصنيع المحلي والإقليمي، بهدف تعزيز المرونة الاقتصادية وتقليل مخاطر تعطل الإمدادات.

قوى صاعدة وخريطة اقتصادية متعددة الأقطاب

يتوقع أن يشهد الاقتصاد العالمي حتى “عام 2040” انتقالًا تدريجيًا نحو تعدد مراكز النمو، مع استمرار صعود اقتصادات آسيوية مثل “الهند” و”إندونيسيا” و”فيتنام”، إلى جانب بروز عدد من الاقتصادات الإفريقية بفضل النمو السكاني، والتوسع الحضري، وتحسن بيئة الاستثمار، بينما تزداد أهمية بعض اقتصادات “الشرق الأوسط” و”أمريكا اللاتينية” في مجالات الطاقة والصناعات التحويلية والخدمات اللوجستية.

وفي المقابل، ستواصل “الولايات المتحدة” الحفاظ على ريادتها العالمية في الابتكار والتكنولوجيا المتقدمة والبحث العلمي، بينما يحتفظ “الاتحاد الأوروبي” بمكانته في الصناعات عالية التقنية، والتنظيم الاقتصادي، والتكنولوجيا الخضراء، في حين تظل “الصين” إحدى أكبر القوى الصناعية والتجارية في العالم، مع استمرار توجهها نحو الصناعات المتقدمة والابتكار والتكنولوجيا.

ويرى “محمد العريان”، رئيس كلية كوينز بجامعة كامبريدج وكبير المستشارين الاقتصاديين في شركة أليانز، أن الاقتصاد العالمي يتجه إلى مرحلة تتسم بتعدد مراكز النمو، وارتفاع أهمية المرونة الاقتصادية، وتقليص الاعتماد على سلاسل التوريد الطويلة، مع زيادة الاستثمار في الإنتاج المحلي والإقليمي لمواجهة الصدمات المستقبلية.

كما تشير تحليلات “منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية” و”البنك الدولي” و”منتدى الاقتصاد العالمي” (WEF)، إلى أن الدول الأكثر قدرة على المنافسة بحلول عام 2040 ستكون تلك التي تنجح في الجمع بين الابتكار، والاستقرار المؤسسي، والانفتاح الاقتصادي، والاستثمار في رأس المال البشري، والقدرة على التكيف مع التحولات الرقمية والمناخية والديموغرافية.

وفي المجمل، تتفق أغلب الدراسات المستقبلية على أن الاقتصاد العالمي يتجه نحو نظام أكثر تعددية، لا تهيمن فيه دولة واحدة على جميع عناصر القوة الاقتصادية، بل تتوزع مراكز الإنتاج والابتكار والاستثمار بين عدد من الأقاليم، وسيظل التفوق الاقتصادي في العقود المقبلة مرتبطًا بامتلاك التكنولوجيا، وتطوير البحث العلمي، وإدارة البيانات، وبناء مؤسسات مرنة قادرة على مواكبة التحولات المتسارعة، بما يجعل المعرفة والابتكار العنصر الحاسم في تشكيل الاقتصاد العالمي حتى عام 2040.

 

اترك تعليقا