بعد التصعيد الأخير..كيف غيّرت أميركا فلسفتها العسكرية؟

المسيّرات الانتحارية تفتح مرحلة جديدة في الصراع مع إيران

الصواريخ المجنحة والمقاتلات الشبحية لم تعد وحدها عنوان القوة الأميركية في الشرق الأوسط، ففي أحدث جولات التصعيد مع إيران، كشفت واشنطن عن تحول استراتيجي لافت بإدخال طائرات مسيّرة هجومية أحادية الاتجاه، إلى جانب زوارق بحرية مسيّرة انتحارية، للمرة الأولى في عمليات قتالية ضد أهداف إيرانية.

ولا يمثل هذا التطور مجرد إضافة لسلاح جديد، بل يعكس انتقال الولايات المتحدة إلى فلسفة قتالية تقوم على استخدام أسلحة منخفضة التكلفة، يصعب اعتراضها، وقادرة على تنفيذ هجمات دقيقة بأعداد كبيرة، في خطوة يرى خبراء أنها قد تعيد رسم ميزان الردع البحري والجوي بين واشنطن وطهران، وتؤسس لمرحلة جديدة من الحروب غير المأهولة.

الرد بسلاح إيراني.. ولكن بنسخة أميركية..

أبرز ما لفت الأنظار في الضربات الأميركية كان الاستخدام العملياتي للطائرة المسيّرة “LUCAS”، (وهي منظومة هجومية منخفضة التكلفة) صُممت بعد دراسة المسيّرة الإيرانية “شاهد-136” التي اشتهرت خلال “الحرب الروسية الأوكرانية”، وتتميز هذه المسيّرة بإمكانية إنتاجها بأعداد كبيرة وتكلفة تقل كثيرًا عن تكلفة الصواريخ التقليدية، ما يسمح بتنفيذ هجمات استنزاف واسعة ضد الدفاعات الجوية والأهداف العسكرية، وتشير تقارير أميركية إلى أن تطويرها جاء ضمن توجه “البنتاغون” لتبني أسلحة رخيصة وسريعة الإنتاج بدلاً من الاعتماد الحصري على الذخائر الباهظة الثمن.

أما المفاجأة الثانية فتمثلت في استخدام “الزوارق البحرية المسيّرة الانتحارية”، وهي مركبات سطحية غير مأهولة تستطيع الإبحار بسرعات مرتفعة وضرب السفن والمنشآت الساحلية مباشرة، ويرى خبراء عسكريون أن هذه الوسائط تمنح البحرية الأميركية قدرة جديدة على تنفيذ هجمات دقيقة داخل البيئات البحرية الخطرة دون تعريض الأطقم البشرية للخطر، كما أنها تجعل اعتراضها أكثر صعوبة مقارنة بالزوارق التقليدية، وتشير المعطيات إلى أن دخول هذه المنظومات إلى ساحة القتال يمثل أول استخدام قتالي أميركي معلن لهذا النوع من الزوارق ضد “إيران”، في تطور يعكس تأثر “واشنطن” بالدروس المستفادة من “الحرب الأوكرانية”، حيث أثبتت الزوارق المسيّرة فعاليتها في استهداف السفن والقواعد البحرية.

معادلة ردع جديدة وحروب بلا أطقم..

يحمل إدخال المسيّرات الجوية والبحرية دلالات استراتيجية تتجاوز نتائج الضربات الحالية، إذ يمنح “الولايات المتحدة” القدرة على شن هجمات متواصلة بكلفة منخفضة، واستنزاف “الدفاعات الإيرانية” دون المخاطرة بالطيارين أو أطقم السفن، كما يفتح الباب أمام استخدام أسراب كبيرة من المسيّرات لإغراق الدفاعات الجوية والبحرية بالأهداف، وهو أسلوب أصبح أحد أبرز ملامح الحروب الحديثة، وفي المقابل.. تجد “إيران” نفسها أمام سلاح اعتمدت هي نفسها فلسفته لسنوات، لكن هذه المرة بقدرات صناعية وتكنولوجية أميركية أكبر.

وتاريخيًا، بدأت المسيّرات الجوية العسكرية بالظهور منذ “سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي” في مهام الاستطلاع، قبل أن تتحول بعد هجمات (11 سبتمبر 2001) إلى سلاح هجومي رئيسي استخدمته “الولايات المتحدة” بكثافة في “أفغانستان” و”العراق” و”سوريا” و”اليمن”، أما المسيّرات البحرية.. فقد بقي استخدامها محدودًا حتى “الحرب الروسية الأوكرانية” منذ عام 2022، عندما نجحت “أوكرانيا” في توظيفها بفعالية ضد الأسطول الروسي في البحر الأسود، لتصبح اليوم أحد أسرع مجالات التسليح تطورًا.

وتعد “الولايات المتحدة” و”أوكرانيا” و”إيران” و”روسيا” و”الصين” من أكثر الدول استثمارًا في تطوير واستخدام المسيّرات القتالية، بينما تمثل «الضربات الأميركية الأخيرة» ضد “إيران” محطة فارقة تؤكد أن مستقبل الصراع العسكري يتجه بصورة متزايدة نحو الحروب غير المأهولة، حيث قد تصبح أسراب المسيّرات، الجوية والبحرية، أكثر تأثيرًا من كثير من المنظومات التقليدية في حسم المعارك المقبلة.

اترك تعليقا