من فيتنام إلى إيران..هزائم استراتيجية شكّلت عقيدة أميركا العسكرية

عندما تصبح الحروب دروسًا باهظة الثمن

لم تكن الحروب التي خاضتها “الولايات المتحدة” منذ النصف الثاني من القرن العشرين مجرد معارك عسكرية، بل تحولت إلى مختبرات استراتيجية أعادت تشكيل العقيدة القتالية الأميركية مرارًا، فمن “أدغال فيتنام”، إلى “جبال أفغانستان”، ثم “شوارع العراق”، دفعت “واشنطن” أثمانًا بشرية ومالية وسياسية هائلة، رغم امتلاكها أقوى جيش وأكثره تطورًا في العالم.

 وأثبتت تلك التجارب أن التفوق التكنولوجي والجوي لا يضمن تحقيق نصر سياسي دائم، وأن إسقاط الجيوش أسهل كثيرًا من إعادة بناء الدول أو إخضاع المجتمعات، ومع اندلاع المواجهة العسكرية الأخيرة مع “إيران”، عاد السؤال الذي يفرض نفسه بقوة.. هل تجاهلت “واشنطن” دروس تاريخها العسكري، أم أنها دخلت الصراع وفق استراتيجية مختلفة تمامًا تقوم على الضربات المحدودة دون الانزلاق إلى حرب شاملة؟

فيتنام وأفغانستان والعراق..انتصارات أم هزائم استراتيجية؟

دخلت “الولايات المتحدة” حرب “فيتنام” في ستينات القرن الماضي بهدف منع تمدد “الشيوعية” في “جنوب شرق آسيا”، لكنها وجدت نفسها أمام حرب استنزاف طويلة استمرت نحو “عقدين”، وأسفرت عن مقتل أكثر من “58 ألف جندي أميركي وإصابة مئات الآلاف، إلى جانب خسائر مالية تجاوزت – وفق تقديرات حديثة – تريليون دولار، ورغم التفوق العسكري الساحق، اضطرت “واشنطن” إلى الانسحاب “عام 1973″، قبل سقوط “سايغون” (عاصمة فيتنام الجنوبية) بيد قوات الشمال “عام 1975″، في واحدة من أكبر الانتكاسات العسكرية والسياسية في تاريخها.

وتكرر المشهد بصورة مختلفة في “أفغانستان”، حيث نجحت القوات الأميركية بسرعة في إسقاط حكم “طالبان” عقب «هجمات 11 سبتمبر 2001»، إلا أن الحرب تحولت تدريجيًا إلى أطول حرب تخوضها “الولايات المتحدة”، واستمرت قرابة “عشرين عامًا”، وخلالها قُتل أكثر من “2400 جندي أميركي”، وأُنفقت ما يزيد على “تريليوني دولار”، قبل أن تنسحب القوات الأميركية في “أغسطس 2021″، لتعود “طالبان” إلى الحكم خلال أيام، في مشهد اعتبره كثير من الخبراء دليلاً على أن التفوق العسكري لا يكفي لتحقيق أهداف سياسية طويلة الأمد.

أما في “العراق”، فقد نجحت “الولايات المتحدة” عام 2003 في إسقاط نظام “صدام حسين” خلال أسابيع قليلة، لكنها واجهت بعد ذلك حرب تمرد واسعة وصراعات طائفية وتنظيمات مسلحة استنزفت قواتها لسنوات، وأسفرت الحرب عن مقتل أكثر من “4500 جندي أميركي”، وإصابة عشرات الآلاف، بينما تجاوزت تكلفتها المالية “تريليوني دولار”، فضلًا عن خسائر سياسية تمثلت في تراجع الثقة الدولية بالمبررات التي استند إليها الغزو، بعد عدم العثور على أسلحة الدمار الشامل التي كانت السبب الرئيسي المعلن للحرب.

كيف غيّرت تلك الحروب عقيدة أميركا عسكريًا؟

أدركت المؤسسات العسكرية الأميركية بعد هذه التجارب أن أكبر الأخطاء لم تكن في كسب المعارك، بل في إدارة ما بعد الحرب، فالجيش الأميركي أثبت قدرته على تدمير الجيوش النظامية خلال أيام أو أسابيع، لكنه واجه صعوبة كبيرة في التعامل مع حروب العصابات والتمردات المسلحة وإدارة المجتمعات المحلية.

ومن هنا بدأت “واشنطن” في إعادة صياغة عقيدتها العسكرية بصورة تدريجية، فأصبحت أكثر حذرًا من إرسال أعداد كبيرة من القوات البرية إلى مناطق النزاع، واتجهت إلى تقليل الانخراط المباشر في عمليات الاحتلال الطويلة، مقابل توسيع الاعتماد على الضربات الجوية الدقيقة، والصواريخ بعيدة المدى، والطائرات المسيّرة، والقوات الخاصة، والاستخبارات، إضافة إلى دعم الحلفاء المحليين بدلًا من القتال نيابة عنهم.

كما عززت “الولايات المتحدة” مفهوم “الحرب منخفضة الكلفة”، الذي يهدف إلى تحقيق أكبر قدر من الأهداف العسكرية بأقل خسائر بشرية ممكنة، إدراكًا منها أن الرأي العام الأميركي أصبح أقل تقبلًا للحروب الممتدة، وأن الخسائر البشرية الكبيرة قد تتحول إلى عامل ضغط سياسي داخلي يجبر الإدارات الأميركية على تغيير سياساتها أو الانسحاب من النزاعات.

إيران.. لماذا اختلفت الحسابات الأميركية؟

رغم أن “إيران” تُعد من أكثر القوى الإقليمية تأثيرًا في «الشرق الأوسط»، فإن “الولايات المتحدة” لم تدخل المواجهة الأخيرة معها وفق نموذج “العراق” أو “أفغانستان”، فمنذ بداية التصعيد، لم تُعلن “واشنطن” نيتها غزو الأراضي الإيرانية أو إسقاط النظام بالقوة العسكرية، بل ركزت على تنفيذ ضربات جوية وصاروخية استهدفت منشآت ومواقع عسكرية ونووية محددة، مع التأكيد مرارًا على أن أهدافها تقتصر على تقليص قدرات “إيران” وردعها.

ويعود ذلك إلى إدراك “صناع القرار الأميركي” أن أي غزو بري لـ”إيران” سيكون بالغ التعقيد، فـ”إيران” تمتلك مساحة جغرافية شاسعة، وتضاريس جبلية صعبة، وسكانًا يتجاوز عددهم “90 مليون نسمة”، إلى جانب قوات نظامية كبيرة، وشبكة واسعة من “الصواريخ الباليستية” و”الطائرات المسيّرة”، فضلًا عن نفوذ إقليمي يمتد عبر حلفاء وشركاء في عدة دول بـ”الشرق الأوسط”، كما أن أي حرب شاملة قد تؤدي إلى تعطيل الملاحة في “الخليج” و”مضيق هرمز”، وهو ما يهدد جزءًا كبيرًا من إمدادات الطاقة العالمية ويؤثر مباشرة في الاقتصاد الدولي.

لهذا، فإن كثيرًا من مراكز الدراسات العسكرية ترى أن “واشنطن” لم تتجاهل دروس الماضي، بل حاولت تطبيقها بصورة مختلفة؛ إذ فضّلت استخدام القوة الجوية والردع العسكري المحدود بدلًا من الانخراط في حرب احتلال قد تتحول إلى استنزاف طويل يشبه “فيتنام” أو “أفغانستان” أو “العراق”.

في المقابل.. يبدو أن “الولايات المتحدة” كانت تدرك منذ البداية أن أي محاولة لاجتياح كامل للأراضي الإيرانية جوًا أو برًا، ستكون مغامرة تفوق في كلفتها جميع حروبها السابقة، لذلك فضلت توجيه ضربات محدودة لتحقيق “أهداف تكتيكية” دون الانزلاق إلى حرب شاملة، ومع ذلك.. يبقى السؤال.. هل تكفي الضربات الجوية وحدها لفرض معادلات سياسية جديدة؟، أم أن التاريخ سيعيد التأكيد مرة أخرى على أن الحروب قد تبدأ بقرارات عسكرية سريعة ومتهورة، ولا تنتهي إلا بتسويات غاية في التعقيد؟

اترك تعليقا