مجلس السلام.. هل تراجع المشروع الأمريكي؟

بعد أكثر من ستة أشهر على إطلاقه، لا يزال المجلس يواجه تحديات تتعلق بالشرعية الدولية

عندما أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال مشاركته في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس مطلع عام 2026 عن إطلاق “مجلس السلام”، بدا أن واشنطن تسعى إلى تقديم إطار جديد لإدارة الأزمات الدولية، في خطوة أثارت تساؤلات حول مستقبل منظومة الأمن الجماعي ودور الأمم المتحدة في تسوية النزاعات.

ورُوِّج للمجلس باعتباره منصة أكثر مرونة وقدرة على التحرك السريع في الملفات المعقدة، بعيداً عن الانقسامات السياسية التي كثيراً ما تعطل عمل مجلس الأمن الدولي. غير أن الأشهر التي أعقبت الإعلان كشفت أن الانتقال من الفكرة إلى التأثير الفعلي يواجه تحديات سياسية وقانونية ودبلوماسية أكبر مما كان متوقعاً.

جاء طرح مجلس السلام في مرحلة يشهد فيها النظام الدولي استقطاباً متزايداً، مع استمرار الحرب في أوكرانيا، والتوترات في الشرق الأوسط، وتصاعد المنافسة بين القوى الكبرى. وفي هذا السياق، رأت الإدارة الأمريكية أن الحاجة باتت قائمة لآليات تسمح بتنسيق أسرع بين الدول الراغبة في التحرك، بعيداً عن القيود التي تفرضها آليات التصويت داخل الأمم المتحدة.

لكن هذا التصور واجه منذ البداية تساؤلات حول حدود اختصاص المجلس، وطبيعة عضويته، ومدى توافقه مع المنظومة القانونية الدولية، فضلاً عن علاقته بالمؤسسات الأممية القائمة.

لماذا لم يتحول إلى لاعب دولي مؤثر؟

رغم الزخم الإعلامي الذي رافق الإعلان عن المبادرة، لم ينجح المجلس في ترسيخ نفسه كفاعل رئيسي في إدارة الأزمات الدولية.

فحتى الآن، لا يمتلك المجلس صفة منظمة دولية، ولا يستند إلى معاهدة دولية تمنحه صلاحيات قانونية مستقلة، كما لم ينجح في استقطاب مشاركة واسعة من مختلف الأقاليم، وهو ما حدّ من قدرته على اكتساب شرعية دولية مماثلة لتلك التي تتمتع بها الأمم المتحدة.

وفي المقابل، واصلت معظم الدول التعامل مع مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة باعتبارهما المرجعية الأساسية في القضايا المتعلقة بالسلم والأمن الدوليين، رغم ما يواجهه النظام الأممي من انتقادات بشأن بطء اتخاذ القرار.

من منصة عالمية إلى إطار محدود

تركزت معظم الأنشطة والتصريحات المرتبطة بالمجلس خلال الأشهر الماضية على الملف الفلسطيني، ولا سيما ترتيبات ما بعد الحرب في قطاع غزة، بينما غاب حضوره بصورة شبه كاملة عن ملفات دولية أخرى مثل أوكرانيا والسودان ومنطقة الساحل الأفريقي.

ويرى مراقبون أن هذا التركيز الضيق جعل المجلس يبدو أقرب إلى آلية سياسية لمعالجة ملف بعينه، أكثر من كونه مؤسسة دولية معنية بإدارة النزاعات على المستوى العالمي.

كما أن غياب مبادرات بارزة أو نتائج ملموسة على الأرض أسهم في تراجع الاهتمام الدولي بالمجلس مقارنة بالفترة التي أعقبت الإعلان عنه.

هل فشلت المبادرة؟

يصعب الجزم بأن المشروع انتهى أو فشل بصورة نهائية، إذ لم يصدر أي إعلان رسمي بوقف أعمال المجلس، كما لا تزال الإدارة الأمريكية تتحدث عنه ضمن رؤيتها لإدارة بعض الأزمات.

إلا أن المؤشرات الحالية توحي بأن المجلس لم يحقق حتى الآن الأهداف التي رُسمت له عند إطلاقه، سواء من حيث توسيع قاعدة المشاركة الدولية أو التحول إلى منصة رئيسية لصنع التسويات السياسية.

ويبدو أن التحدي الأكبر أمام أي مبادرة من هذا النوع يتمثل في قدرتها على اكتساب قبول دولي واسع، وليس مجرد الحصول على دعم الدولة التي أطلقتها، إذ إن شرعية المؤسسات الدولية تُبنى على التوافق والتمثيل، بقدر ما تُبنى على النفوذ السياسي.

سيظل مستقبل مجلس السلام مرتبطاً بمدى قدرة الولايات المتحدة على إقناع شركائها بأن المجلس يمثل إضافة للمنظومة الدولية وليس بديلاً عنها.

فإذا نجح في توسيع عضويته، وإطلاق مبادرات تحظى بدعم دولي، فقد يتحول إلى منصة مؤثرة في بعض الملفات الإقليمية. أما إذا بقي محصوراً في نطاق محدود من القضايا والدول، فمن المرجح أن يظل إطاراً سياسياً ذا تأثير محدود، دون أن يتمكن من إحداث تغيير جوهري في بنية النظام الدولي.

وبعد مرور أكثر من ستة أشهر على الإعلان عنه، يبدو أن السؤال لم يعد ما إذا كان مجلس السلام قد انتهى، بل ما إذا كان قادراً على تجاوز مرحلة الرمزية والدخول إلى مرحلة الفاعلية، وهي مهمة لا تزال حتى الآن بعيدة المنال في ظل استمرار الاعتماد الدولي على مؤسسات الشرعية الأممية.

اترك تعليقا