خسائر حرب إيران .. وفشل استراتيجية “التضليل” بمنظار الإعلام الإسرائيلي
أشرف الرفاعي يكتب
- dr-naga
- 6 يوليو، 2026
- مقالات وتحليلات
- الإعلام الإسرائيلي, البيت الأبيض, التضليل, باكستان, خسائر حرب إيران, سويسرا, مضيق هرمز, نتنياهو
النتنياهو يستعد لزيارة جديدة إلى البيت الأبيض، ربما لمصالحة كفيله (المقموص) أو لإخراج “سردية” جديدة “أفضل حبكة” عن إيران، بعدما شاهت ملامح الرواية السابقة عن “النصر المؤزر”، ما بين مسبّات المكالمات الهاتفية وتسريبات “التفاهمات” في سويسرا وباكستان، واستعراضات القوة في مضيق هرمز.
وليس بعيدًا عن هذه الصورة العبثية، ما يكشفه تحقيق ‘يديعوت أحرنوت’ الأخير عن إخفاق القيادة السياسية في إسرائيل، بمساندة قطاعات من المؤسستين العسكرية والأمنية، في مواصلة “حملة تضليل الرأي العام” (هكذا نعتتها الصحيفة العبرية) وإيهام العالم بأن الضربات الجوية والصاروخية دمّرت البرنامج النووي الإيراني وقدرات الحرس الثوري الصاروخية “بشكل كامل ونهائي”.
وفقًا لذلك التحقيق الصحفي، فإن تل ابيب وواشنطن تظاهرتا على إثم تحويل انتصارات عسكرية “جزئية” إلى سردية انتصار “مطلق”. فانطلقت حملة دعائية “منسّقة ومتزامنة” بين الحليفين النتنياهو وترمب، لترسيخ فكرة “التدمير الكلي” للمنشآت النووية في ‘فوردو’ و’نطنز’ وأصفهان، والزعم بأن التهديد النووي الإيراني قد “أُزيل لأجيال قادمة”. بينما خلصت تقييمات أمريكية وإسرائيلية داخلية إلى أن “أضرارا جسيمة” قد حلّت بتلك المواقع، لكن دون أن تبلغ حد “التصفير الشامل” للبرنامج النووي أو لمخزونه من اليورانيوم المخصب أو حتى لبنيته العلمية والتقنية.
وفي كواليس المشهد، يتحدث التقرير عن “ضغوط” مارستها القيادة السياسية على ضباط استخبارات كبار لتوقيع “وثائق رسمية” تدعم رواية التدمير الكامل، مشيرًا إلى أن ‘هيئة الطاقة الذرية الإسرائيلية’ قد “دُفعت دفعًا’ لإصدار صياغة “قابلة للتسويق السياسي”، رغم التحفظات العلمية والفنية من مسؤولي الهيئة وخبرائها. (لفتني شخصيًا ملاحظة “تحليلية” في ثنايا التحقيق بشأن “اهتزاز الثقة” في الدولة عندما “تطلب الحكومة من أجهزة الأمن والاستخبارات أو من الهيئات الفنية تزييف نتائج مهندسة سياسيًا بدلًا من تقديم تقييمات مهنية”.
الرواية الرسمية الإسرائيلية حاولت -إذن- إقناع الجمهور بأن الضربات العسكرية “الخارقة” قضت على البرنامج النووي الإيراني أو عطّلته على نحو استراتيجي طويل الأمد. غير أن ما ظهر لاحقًا في تقديرات استخباراتية (إسرائيلية وأمريكية) مبنية على “نتائج فعلية على الأرض”، كشف أن الحديث عن النصر الكاسح وإنهاء الخطر كان أقرب إلى “استثمار سياسي” في لحظة حرجة.
ووفقًا لما ورد في التحقيق الاستقصائي من تفاصيل تلك التقديرات، فإن المواد الانشطارية الأساسية “لم تُمحَ، بل نُقلت أو حُفظت في مواضع محصنة”، ما يعني أن تعطيل المشروع النووي الإيراني يبقى محدودًا زمنيًا، لا بحجم “أجيال قادمة”!!
ويتوافق ذلك أيضًا مع تقارير سبق أن تداولها الإعلام الأمريكي (مثل ‘وول ستريت جورنال’) عن حجم الأضرار الفعلية في المواقع النووية الإيرانية بفعل الضربات الجوية، والتي اقتصرت -حسب تحليل صور الأقمار الصناعية- على تدمير “منشآت فوق الأرض وفي البنية الكهربائية”، لكنها لم تصل في تقدير أي خبير أو مسؤول غير سياسي إلى “إبادة كاملة” للبنية التحتية، كما تردد مرارًا على لسان البرتقالي والمأفون.
مبالغات السردية الدعائية لم تقف عند حدود النووي الإيراني، بل امتدت لادّعاء تحطيم القدرات الصاروخية أيضًا. فظهرت في الرواية الإسرائيلية الرسمية عبارات من نوعية “إزالة التهديد الوجودي”، و”دمرنا القدرات الصاروخية الإيرانية .. لم تعد إيران قادرة على تخصيب اليورانيوم أو صنع الصواريخ الباليستية” (التي قالها النتنياهو في مؤتمر صحفي يوم الخميس 19 مارس أي بعد 20 يومًا من بداية الحرب). بينما أظهرت المعلومات العسكرية الموثّقة، وفق ما ورد في تحقيق ‘يديعوت أحرنوت’، أن الضربات لم تدمر سوى جزء من مخزون الصواريخ المهمة (المختبئة في أنفاق محصنة) ونصف منصات الإطلاق تقريبًا، وبقيت بنى الإنتاج الحيوية قادرة على التعويض، بما في ذلك معدات التصنيع والتجميع.
وهذه النقطة تحديدًا بالغة الدلالة، لأنها تفسّر لماذا لم تنته الحرب “الثنائية” لأربعين يومًا متصلة على إيران بنتيجة حاسمة يسقط تحت وطأتها نظام طهران آو يستسلم للشروط الإسرا-أمريكية، ولماذا اضطر ترمب لاحقًا إلى نفض يده من العهد المقدس مع ربيبه المدلل ‘بيبي’ والمضي في سبيل التفاوض الذي يبدو -حتى الآن- وكأن طهران هي الأقرب لفرض شروطها في مذكرات تفاهماته؟!
اللافت أن استراتيجية “التضليل” الإسرائيلية لم تقتصر على “تضخيم الإنجاز”، بل لجأت بالتوازي إلى “التعتيم على الخسائر” وإخفاء الكلفة الباهظة على الجبهة الداخلية.
إذ كشفت تقارير عبرية (أحدثها ما نشرته ‘معاريف’ قبل يومين) عن خسائر ثقيلة لحقت بالبنية التحتية داخل إسرائيل، ولا سيما في مصفاة نفط خليج حيفا التي ألحقت بها الهجمات الإيرانية (يومي 10، و 19 مارس الماضي) أضرارًا قُدرت بين 150 و200 مليون دولار، واعترف مسؤول للصحيفة بأن المنشأة “تعطلت بشكل شبه كامل بعد استهداف وحدة توليد الطاقة، ما أدى إلى انقطاع الكهرباء وتوقف أجزاء واسعة من عمليات التشغيل في مصافي النفط، فضلًا عن مقتل ثلاثة موظفين”. (كانت مانشيتات الصحف وعناوين النشرات تتحدث آنذاك فقط عن “إنقاذ” مصفاة حيفا وفشل الصواريخ الإيرانية).
وبالتزامن، تداول الإعلام العبري تقارير “مسربة” من وزارة الداخلية الإسرائيلية عن أضرار بالغة في خطوط الأنابيب داخل مجمع ‘بازان’، وفي البنية التحتية للطاقة “تفوق بمراحل ما تم إعلانه رسمياً”. بل استفاض تقرير لصحيفة ‘هآرتس’ الأسبوع الماضي في توصيف تأثير الضربات الإيرانية على إمدادات الوقود في السوق الإسرائيلية، مع تلميحات متكررة بصعوبة حصر الأضرار الحقيقية -ماديا وبشريًا- نتيجة أوامر “التكميم” للإعلام.
لكن لأن دولة الاحتلال تتمسّح في حد أدنى من سمات الديمقراطية ومزايا حرية التعبير (المحرومة منه تماما مجتمعات الجيرة الطيبة)، لم تفلح استراتيجية “تضخيم خسائر العدو والتعتيم على خسائرنا” في التحكم الكامل بالمشهد وحجب بعض المعلومات التي تؤكد أن إيران لم تخرج من الحرب الهجينة جاثيةً على ركبتيها النووية والصاروخية، مثلما تشي بأن “الرشقات” الإيرانية أصابت أحيانا “عصب” البنية التحتية في إسرائيل، وأن آثارها لم تكن هامشية أو رمزية، كما دأبت آلة الدعاية السياسية على الترويج-في واشنطن قبل تل آبيب.
