الطاقة النووية السلمية تعزز التنافس العالمي على التكنولوجيا والنفوذ الإستراتيجي

وسعت الصين استثماراتها في المفاعلات النووية

الرائد| تحولت الطاقة النووية السلمية خلال العقدين الأخيرين من مصدر لإنتاج الكهرباء إلى أحد أهم أدوات النفوذ الاقتصادي والتكنولوجي والجيوسياسي بين القوى الكبرى. فالدول التي تمتلك القدرة على تصميم المفاعلات النووية، وتخصيب الوقود، وتدريب الكوادر، وتمويل المشروعات، لا تصدر تقنية فحسب، بل تبني علاقات تمتد لعقود مع الدول المستوردة، نظرًا لطبيعة العقود النووية التي تشمل التشغيل والصيانة وإمدادات الوقود وإدارة النفايات والتدريب.

وتشير بيانات الوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA) إلى أن أكثر من ثلاثين دولة تشغل محطات نووية لإنتاج الكهرباء، بينما تخطط دول أخرى لبناء مفاعلات جديدة لمواجهة الطلب المتزايد على الطاقة وخفض الانبعاثات الكربونية. كما تؤكد الوكالة الدولية للطاقة (IEA) أن الاهتمام بالطاقة النووية عاد للارتفاع مع تزايد الحاجة إلى مصادر كهرباء مستقرة ومنخفضة الانبعاثات.

المحطات النووية لإنتاج الكهرباء

وتحتفظ الولايات المتحدة بمكانة رائدة في تطوير التكنولوجيا النووية والبحث العلمي، بينما أصبحت روسيا عبر شركة روساتوم Rosatom أكبر مصدر عالمي للمفاعلات النووية، إذ تنفذ أو تشارك في إنشاء محطات في آسيا وإفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا. وتشير بيانات الشركة وتقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى أن نموذج روساتوم يعتمد على تقديم حزمة متكاملة تشمل التمويل والبناء والتشغيل وتوريد الوقود، وهو ما منحها حضورًا واسعًا في الأسواق الدولية.

وفي المقابل، وسعت الصين استثماراتها في المفاعلات النووية المحلية، وطورت نماذجها الخاصة، مثل مفاعل Hualong One، وتسعى إلى تصديرها ضمن تعاونها مع عدد من الدول الآسيوية والشرق أوسطية. كما عززت بكين استثماراتها في دورة الوقود النووي والبحث في المفاعلات المتقدمة.

أما فرنسا، فتظل من أبرز القوى النووية المدنية، إذ تعتمد بصورة كبيرة على الطاقة النووية في إنتاج الكهرباء، وتلعب شركة EDF دورًا رئيسيًا في تنفيذ مشروعات خارجية، بينما تواصل كوريا الجنوبية توسيع حضورها الدولي بعد نجاحها في تنفيذ مشروع محطة براكة للطاقة النووية في دولة الإمارات العربية المتحدة، الذي يعد من أكبر مشروعات الطاقة النووية السلمية في الشرق الأوسط.

ويرى فاتح بيرول، المدير التنفيذي للوكالة الدولية للطاقة، أن العالم لن يتمكن من تحقيق أهداف خفض الانبعاثات دون مساهمة متزايدة للطاقة النووية إلى جانب مصادر الطاقة المتجددة، مؤكدًا أن الطلب العالمي على الكهرباء يجعل تنويع مصادر الطاقة ضرورة إستراتيجية.

أما رافائيل ماريانو غروسي، المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، فيؤكد في مناسبات عدة أن الاستخدام السلمي للطاقة النووية يجب أن يقترن بأعلى معايير السلامة والأمن والضمانات الدولية، مشيرًا إلى أن الوكالة تؤدي دورًا محوريًا في مراقبة الالتزام بالمعايير الفنية ومنع الانتشار النووي.

المفاعلات الصغيرة المعيارية

ويرى مارك هيبس، الباحث في وقف كارنيغي للسلام الدولي والمتخصص في شؤون الطاقة النووية، أن المنافسة العالمية في هذا القطاع لم تعد تعتمد على التكنولوجيا وحدها، بل تشمل أيضًا نماذج التمويل، وسرعة التنفيذ، وبناء الشراكات طويلة الأجل مع الدول المستوردة.

ومن جانبه، يشير ميليسلاف زيمان، الباحث في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية – وكالة الطاقة النووية (OECD-NEA)، إلى أن المفاعلات الصغيرة المعيارية (SMRs) قد تغير خريطة السوق خلال العقدين المقبلين، لأنها تتيح بناء محطات أقل تكلفة وأكثر مرونة، ما قد يفتح المجال أمام دول لم تكن قادرة سابقًا على الاستثمار في الطاقة النووية.

ولا يقتصر التنافس على إنتاج الكهرباء، بل يمتد إلى التطبيقات الطبية والصناعية والزراعية للطاقة النووية، وإنتاج النظائر المشعة المستخدمة في علاج السرطان، وتحلية المياه، والهيدروجين منخفض الانبعاثات، وهو ما يوسع الأهمية الاقتصادية لهذا القطاع.

وتشير تحليلات الوكالة الدولية للطاقة والوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى أن العقود المقبلة ستشهد زيادة في الطلب على التكنولوجيا النووية، خاصة في آسيا والشرق الأوسط وإفريقيا، مع استمرار التنافس بين الموردين الرئيسيين على الأسواق الجديدة. كما يتوقع خبراء كارنيغي وOECD-NEA أن تتزايد أهمية الابتكار في المفاعلات الصغيرة والمتقدمة، وأن يصبح الأمن السيبراني وحماية المنشآت النووية عنصرين أساسيين في مستقبل الصناعة.

ويخلص معظم الباحثين إلى أن الطاقة النووية السلمية أصبحت إحدى ركائز التنافس العالمي، لأنها تجمع بين التكنولوجيا المتقدمة، والأمن الطاقوي، والدبلوماسية، والاستثمار طويل الأجل.

اترك تعليقا