الأمن الغذائي يتحول لركيزة للتنافس العالمي على النفوذ والاستقرار

أحد أهم عناصر التنافس الدولي في ظل تزايد عدد السكان وتغير المناخ والاضطرابات

الرائد- لم يعد الأمن الغذائي قضية تنموية أو إنسانية فحسب، بل أصبح أحد أهم عناصر التنافس الدولي في ظل تزايد عدد السكان، وتغير المناخ، والاضطرابات الجيوسياسية، وتقلبات أسواق الطاقة والشحن.
وقد دفعت الأزمات المتعاقبة منذ جائحة كوفيد-19 ثم الحرب في أوكرانيا، الحكومات إلى إعادة النظر في سياسات إنتاج الغذاء، وسلاسل الإمداد، والمخزونات الإستراتيجية، والاستثمارات الزراعية الخارجية، باعتبارها جزءًا من الأمن القومي.

وتشير بيانات منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (FAO) إلى أن العالم ينتج غذاءً يكفي لإطعام سكانه، إلا أن تحديات التوزيع، والنزاعات، والصدمات المناخية، والقيود التجارية، تجعل الأمن الغذائي متفاوتًا بصورة كبيرة بين الدول.
كما يؤكد برنامج الأغذية العالمي (WFP) أن النزاعات المسلحة والظواهر المناخية المتطرفة أصبحت من أهم أسباب انعدام الأمن الغذائي في العديد من المناطق.

وتبرز الولايات المتحدة والبرازيل والاتحاد الأوروبي من أكبر مصدري المنتجات الزراعية عالميًا، بينما أصبحت روسيا من أكبر مصدري القمح، في حين تحتل أوكرانيا مكانة مهمة في صادرات الحبوب والزيوت النباتية. أما الصين والهند، فتمثلان أكبر المنتجين الزراعيين في العالم من حيث الحجم الكلي، مع سياسات واسعة لتعزيز الاكتفاء النسبي وبناء احتياطيات غذائية.

ويرى ماكسيمو توريرو، كبير الاقتصاديين في منظمة الأغذية والزراعة (FAO)، أن الأمن الغذائي لم يعد يقاس بحجم الإنتاج فقط، بل بقدرة الدول على تنويع مصادر الاستيراد، وحماية سلاسل الإمداد، والاستثمار في التكنولوجيا الزراعية، والتكيف مع تغير المناخ.

وخلال العقدين الماضيين، توسعت المنافسة الدولية على الأراضي الزراعية في بعض مناطق إفريقيا وأمريكا اللاتينية وآسيا، حيث استثمرت شركات وصناديق سيادية ودول في مشروعات زراعية طويلة الأجل لتأمين إمدادات الغذاء.

ويرى ديفيد لابورد، الباحث في المعهد الدولي لبحوث سياسات الغذاء (IFPRI)، أن هذه الاستثمارات يمكن أن تسهم في زيادة الإنتاج إذا اقترنت بحوكمة جيدة واحترام حقوق المجتمعات المحلية، لكنها قد تثير تحديات تتعلق باستخدام الأراضي والموارد المائية إذا غابت الأطر التنظيمية.

وفي الجانب التكنولوجي، أصبح الابتكار الزراعي أحد أهم ميادين التنافس العالمي، مع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي، والاستشعار عن بعد، والطائرات المسيّرة، والروبوتات الزراعية، وتقنيات الزراعة الدقيقة.
وتتصدر الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية وإسرائيل واليابان وكوريا الجنوبية جانبًا مهمًا من هذه الابتكارات، بينما توسعت الصين والهند بصورة كبيرة في رقمنة القطاع الزراعي وتحسين إنتاجية المحاصيل.

ويرى كارلوس جوستافو موريتي، رئيس مؤسسة البحوث الزراعية البرازيلية Embrapa، أن الاستثمار في البحث العلمي الزراعي كان العامل الرئيس وراء تحول البرازيل إلى إحدى أكبر القوى الزراعية في العالم، مؤكدًا أن التكنولوجيا أصبحت أهم من التوسع الأفقي في الأراضي.

كما يبرز التنافس على صناعة الأسمدة، التي تعد عنصرًا حاسمًا في الأمن الغذائي العالمي. وتشير بيانات البنك الدولي إلى أن روسيا وكندا والمغرب والصين من أبرز اللاعبين في أسواق الأسمدة، وأن اضطراب هذه السوق ينعكس مباشرة على أسعار الغذاء والإنتاج الزراعي في مختلف القارات.

ومن الناحية التجارية، يشير أرِيف حسين، كبير الاقتصاديين في برنامج الأغذية العالمي، إلى أن القيود المفروضة على صادرات الغذاء خلال الأزمات قد تؤدي إلى تفاقم تقلبات الأسعار عالميًا، مؤكدًا أن استقرار التجارة الدولية يظل عنصرًا أساسيًا في تحقيق الأمن الغذائي.

أما منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) وFAO فتتوقعان في تقريرهما المشترك حول الآفاق الزراعية أن يزداد الطلب العالمي على الغذاء بصورة ملحوظة حتى عام 2034، مدفوعًا بالنمو السكاني وارتفاع مستويات الدخل في الاقتصادات الناشئة، مع استمرار الضغوط المرتبطة بالمناخ والموارد الطبيعية.

ويرى جوزيف غلوبير، الباحث في المعهد الدولي لبحوث سياسات الغذاء وكبير الاقتصاديين السابق في وزارة الزراعة الأمريكية، أن مستقبل الأمن الغذائي سيعتمد على ثلاثة عوامل رئيسية: الابتكار الزراعي، وانفتاح التجارة الدولية، وتعزيز قدرة النظم الغذائية على مواجهة الأزمات.

ويجمع خبراء FAO وIFPRI والبنك الدولي على أن التنافس العالمي في قطاع الغذاء لن يقتصر مستقبلًا على حجم الإنتاج أو الصادرات، بل سيمتد إلى التكنولوجيا الزراعية، وإدارة المياه، والبذور المحسنة، وسلاسل التبريد، والقدرة على بناء نظم غذائية أكثر مرونة في مواجهة الأزمات المناخية والجيوسياسية.

*المصادر:

-منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة FAO،
-برنامج الأغذية العالمي WFP،
-المعهد الدولي لبحوث سياسات الغذاء IFPRI،
-منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD، البنك الدولي،
-مؤسسة البحوث الزراعية البرازيلية Embrapa،
-وزارة الزراعة الأمريكية USDA،
-وكالة رويترز،
-فايننشال تايمز،
-بلومبرغ.

اترك تعليقا