كيف أعادت المقاومة رسم خريطة الصراع وأسقطت أسطورة التفوق الإسرائيلي؟
بعد ألف يوم على طوفان الأقصى
- dr-naga
- 5 يوليو، 2026
- تقارير وترجمات
- أسطورة التفوق الإسرائيلي, ألف يوم على طوفان الأقصى, الصراع, المقاومة, حماس, طوفان الأقصى, غزة
الرائد:تصادف هذه الساعات الذكرى الألفية لاندلاع معركة طوفان الأقصى، تلك اللحظة الفارقة التي كسر فيها مئات الشباب في قطاع غزة قيود تسعة عشر عاماً من الحصار والإغلاق. لكن القيود التي تحطمت في السابع من أكتوبر 2023 لم تكن مجرد أسلاك شائكة وحواجز إسمنتية، بل كانت منظومة كاملة من المحرمات السياسية والجغرافية والاستراتيجية التي فرضت على المنطقة لعقود.
ورغم الثمن البشري الفادح وحرب الإبادة التي شنتها إسرائيل، إلا أن المعركة أحدثت زلازل استراتيجية أعادت تعريف الصراع في الشرق الأوسط.
إعادة الصراع إلى أصله الإقليمي
أول الإنجازات الاستراتيجية لطوفان الأقصى هي إعادة الصراع إلى تعريفه الصحيح كصراع إقليمي عربي وإسلامي ضد إسرائيل، وليس مجرد قضية إنسانية تخص الفلسطينيين وحدهم. فعقب عقود من اتفاقيات كامب ديفيد ووادي عربة، والتي هدفت إلى استفراد إسرائيل بالفلسطينيين وتطبيع العلاقات العربية معها، أثبتت المعركة أن معادلة الإدارة الأحادية للصراع قد انتهت. وقد تجلى ذلك في فتح جبهات متعددة، ورغم أنها خاضت معاركها بتوقيتات مختلفة، إلا أنها تركت ندوباً عميقة في المجتمع الإسرائيلي. ويعزز هذا التحول ما صرح به مؤخراً وزير الحرب الإسرائيلي يتسحاق كاتس، عندما حذر من أن حرباً ثالثة مع إيران قد تصبح ضرورية في المستقبل القريب، وهو اعتراف ضمني بفشل الردع الإسرائيلي. كما أن التوغلات الإسرائيلية في جنوب سوريا وريف درعا تمهد لتشكيل جبهة اشتباك جديدة، خاصة مع تداخل المصالح التركية في المنطقة، مما يوسع دائرة الصراع جغرافيا.
العزلة الأخلاقية والسياسية لإسرائيل
النقلة النوعية الثانية تتمثل في تحول إسرائيل من دولة تستثمر دور الضحية التاريخية لابتزاز الغرب، إلى دولة منبوذة تشكل عبئاً على حلفائها. وهذا ما نص عليه صراحة السياسي والمنظر الإسرائيلي يوسي بيلين، عندما وصف إسرائيل بأنها أصبحت عبئاً أخلاقياً وسياسياً. الجرائم غير المسبوقة التي وثقتها المحافل الدولية جعلت من انتقاد تل أبيب أمراً مشروعاً بل وضرورياً، حتى داخل الكونغرس الأمريكي. وقد حذر الصحفي الإسرائيلي بن سامويلز في مقال له بصحيفة هآرتس مؤخراً من أن النقاش في واشنطن لم يعد يدور حول قوة اللوبي المؤيد لإسرائيل (أيباك)، بل حول كيفية اختزال أزمات أمريكا في دعمها اللامحدود لإسرائيل. هذا التحول ترافق مع ملاحقة قانونية غير مسبوقة عبر محاكم دولية بتهم الإبادة، وحملات مقاطعة عالمية، مما ينخر في الشرعية الأخلاقية للكيان الإسرائيلي من الداخل.
المضائق كأدوات ردع استراتيجي
ثالثاً، أعادت المعركة تعريف الوزن الجيوسياسي للمنطقة، وكشفت عن كوامن قوة لم تُختبر من قبل. فقد أثبتت الأحداث أن شرايين التجارة العالمية يمكن أن تتحول إلى أسلحة ردع فعالة. فمن خلال الاستهداف المستمر للسفن من قبل جماعة أنصار الله في اليمن في مضيق باب المندب، وإغلاق مضيق هرمز من قبل إيران، تم إرباك الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة. وقد عبر مستشار المرشد الإيراني محمد مخبر عن هذه المعادلة الاستراتيجية بوضوح عندما أكد أن مضيق هرمز بات يمثل لإيران ورقة قوة تعادل القنبلة النووية، وهو ما فشل التفوق العسكري الأمريكي في كسره أو تأمين الملاحة فيه بالقوة.
نهاية أسطورة الحرب الخاطفة
رابعاً، وربما الأهم، كشفت المعركة عن حدود القوة العسكرية الأمريكية والإسرائيلية. فقد أثبتت أن التفوق الجوي والتكنولوجي والشيك المفتوح لارتكاب المجازر لم يعد كافياً لحسم الصراعات. فعلى الرغم من تسجيل أعلى معدلات للطلعات الجوية في تاريخ الحروب الحديثة بغزة، وخوض حروب استنزاف في لبنان ومواجهات مباشرة مع إيران، فشلت إسرائيل في تحقيق نصر سريع وحاسم. لقد اهتزت العقيدة الأمنية الإسرائيلية المعروفة بـ الحرب الخاطفة، وتحولت المواجهات إلى حروب استنزاف طويلة ومكلفة، أثبتت أن الإرادة المحلية والإقليمية قادرة على تحييد التفوق التكنولوجي وتحويله إلى نقطة ضعف استنزافية.
خلفيات تاريخية وتوقعات مستقبلية
تاريخياً، حاولت الاتفاقيات الموقعة منذ التسعينيات اختزال الصراع في إطار أمني بحت وتهميش البعد الإقليمي، لكن طوفان الأقصى أعاد القضية الفلسطينية إلى صدارة الوعي العالمي كقضية تحرر وطني. ومستقبلياً، تشير التوقعات إلى استمرار حالة الاستنزاف لإسرائيل، وتواصل المسار القانوني الدولي الذي قد يؤدي إلى عزلتها الكاملة. كما يُتوقع أن تفتح التطورات في سوريا جبهات جديدة، وأن تظل المضائق البحرية ورقة ضغط بيد محور المقاومة، مما يفرض على الغرب إعادة حساباته تجاه منطقة لم تعد تقبل بسياسة الأمر الواقع التي فرضتها واشنطن لعقود.
المصادر:
1. صحيفة هآرتس الإسرائيلية، مقال بن سامويلز حول أبعاد الأزمة الأمريكية مع إسرائيل واللوبي المؤيد لها، يوليو 2026.
2. تصريحات وزير الحرب الإسرائيلي يتسحاق كاتس حول احتمالات الحرب الثالثة مع إيران، نقلتها هيئة البث الإسرائيلية، يونيو 2026.
3. تصريحات نائب وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب آبادي، التلفزيون الإيراني الرسمي، يوليو 2026.
4. تقارير محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية حول متابعة قضايا الإبادة والملاحقات القانونية لقادة إسرائيليين، 2025-2026.
5. تحليلات معهد الشرق الأوسط بواشنطن حول تحول المضائق البحرية إلى أدوات ردع استراتيجي في الشرق الأوسط، مايو 2026.
6. تصريحات مستشار المرشد الإيراني محمد مخبر حول معادلة مضيق هرمز وأبعادها الاستراتيجية، وكالة أنباء الطلبة الإيرانية (إسنا)، 2026.
7. كتابات ومنشورات السياسي الإسرائيلي يوسي بيلين حول العبء الأخلاقي والسياسي الذي تمثله إسرائيل على النظام الدولي، 2026.
