ترامب وبوتين يعيدان رسم التحالفات الفضائية والجيوسياسية

في الذكرى الـ250 للاستقلال الأمريكي

الرائد: في توقيت بالغ الدلالة، يتزامن مع الاحتفال بالذكرى الـ250 لإعلان الاستقلال الأمريكي، أجرى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الأمريكي دونالد ترامب اتصالًا هاتفيًا مطولًا استمر لأكثر من ساعة وربع الساعة، في خطوة وصفها مراقبون بأنها تمثل نقطة تحول محتملة في مسار العلاقات الثنائية.

وجاءت المكالمة، التي بادر بها الجانب الأمريكي، لتناقش حزمة واسعة من الملفات الشائكة، من أوكرانيا إلى الفضاء، مرورًا بتطورات النزاع الأمريكي الإيراني في الشرق الأوسط.

وحسب ما نقلته وكالة RT العربية نقلاً عن الكرملين، فقد وصف مساعد الرئيس الروسي للشؤون الخارجية يوري أوشاكوف المكالمة بأنها اتسمت بطابع عملي وبنّاء للغاية. وأكد أوشاكوف أن بوتين هنأ ترامب والشعب الأمريكي بمناسبة عيد الاستقلال، مشيدًا بما وصفه بالتعاون عبر القرون. ومن أبرز ما جاء في الاتصال، الإشارة إلى الرمزية العميقة لإطلاق طاقم روسي أمريكي مشترك إلى محطة الفضاء الدولية من قاعدة بايكونور الفضائية، وهو ما يعيد إلى الأذهان حقبة الانفراجة في الحرب الباردة. كما تطرق ترامب، وفق القراءة الروسية، إلى آفاق واسعة للتعاون الاقتصادي والسياسي يمكن أن تنفتح بعد انتهاء الصراع في أوكرانيا، مع التشديد على أهمية الحفاظ على الصفحات المشتركة من التاريخ.

وعلى صعيد الشرق الأوسط، كشفت تقارير صحفية سابقة عن تنسيق رفيع المستوى، حيث وجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الشكر للرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والصيني شي جين بينغ على موقفهما تجاه النزاع الأمريكي الإيراني. وهذا يشير إلى أن الملف الإيراني لم يكن بعيدًا عن أجندة الزعيمين، بل إن موسكو وبكين تلعبان أدوارًا وُصفت بالإيجابية من قبل البيت الأبيض في إدارة أو حلحلة هذا النزاع، مما يعكس تقاربًا براغماتيًا بين الإدارة الأمريكية الحالية والقوتين الآسيوية والأوروبية الشرقية.

ولفهم عمق هذه الرسائل، يجب العودة إلى الوراء 250 عامًا. فعندما أعلنت الولايات المتحدة استقلالها عام 1776، كانت الإمبراطورية الروسية تحت حكم القياصرة، ورغم عدم اعتراف روسيا الرسمي بالثوار آنذاك، إلا أن الإمبراطورة كاترين العظمت رفضت طلبًا بريطانيًا بإرسال قوات روسية لقمع الثورة الأمريكية، وهو ما يُسجل في الذاكرة الدبلوماسية الأمريكية كموقف إيجابي. وتتجلى هذه الذاكرة المشتركة في التأكيد الذي ورد على لسان بوتين وترامب على عدم نسيان شعبي البلدين لتحالفهما الحاسم خلال الحرب العالمية الثانية. أما على الصعيد الفضائي، فإن المهمة المرتقبة من بايكونور تعيد بالضبط سيناريو مشروع أبولو-سويوز التاريخي عام 1975، والذي مثل أول رحلة فضائية مشتركة بين واشنطن وموسكو، وكان جسرًا للسلام في خضم الحرب الباردة.

وفي قراءة لهذه التطورات، يرى فيودور لوكيانوف، رئيس هيئة تحرير مجلة روسيا في الشؤون العالمية، أن استخدام الفضاء كجسر للتواصل يعكس بحث الطرفين عن مساحات آمنة للتعاون بعيدًا عن الصراعات الأرضية المباشرة. من جانبها، تذهب أنجيلينا ستينت، الخبيرة البارزة في الشؤون الروسية والأوروبية، إلى أن شكر ترامب لبوتين وشي على موقفهما من النزاع الإيراني يكشف عن براغماتية الإدارة الأمريكية الحالية، التي تبدو مستعدة لتقديم تنازلات جيوسياسية أو الاعتراف بدور المنافسين في ملفات إقليمية حساسة مقابل تحقيق مكاسب أمنية مباشرة.

مستقبليًا، تفتح هذه المؤشرات الباب أمام عدة توقعات. أولًا، من المرجح أن تتصاعد وتيرة التعاون الفضائي بين روسيا والولايات المتحدة كرسالة طمأنة للعالم بأن التنافس لا يعني بالضرورة القطيعة التامة. ثانيًا، فيما يتعلق بالصراع في أوكرانيا، فإن الحديث عن آفاق واسعة للتعاون بعد إنهائه يشير إلى أن واشنطن وموسكو تبحثان عن مخرج يحفظ ماء الوجه للطرفين ويمهد لمرحلة ما بعد الصراع. ثالثًا، في الملف الإيراني، يُتوقع أن يؤدي التنسيق الأمريكي-الروسي-الصيني إلى صياغة ترتيبات أمنية جديدة في الخليج تضمن مصالح جميع الأطراف، مما يقلل من حدة التوترات العسكرية.

في النهاية، لم تكن مكالمة الذكرى الـ250 مجرد مجاملة دبلوماسية، بل كانت رسالة مشفرة من زعيمين يدركان أن العالم يتغير، وأن إدارة التنافس عبر التاريخ المشترك والفضاء والملفات الإقليمية أصبحت ضرورة حتمية في عصر متعدد القطبية.

المصادر:
1. وكالة RT العربية، تقرير حول اتصال بوتين وترامب ووصف يوري أوشاكوف له.
2. شبكة سكاي نيوز عربية، تغطية هناء بوتين لترامب بذكرى الاستقلال الـ250.
3. وكالة سبوتنيك العربية، تقرير حول شكر ترامب لبوتين وشي جين بينغ على موقفهما من النزاع الأمريكي الإيراني.
4. بوابة الكويت الإلكترونية وصحيفة الأنباء الكويتية، تغطية تفاصيل المكالمة الهاتفية ومدتها ومبادرة الجانب الأمريكي.
5. وكالة Vietnam.vn، تغطية تفاصيل المكالمة الهاتفية بين الزعيمين.

اترك تعليقا