نيودلهي وورقة «الإرهاب الباكستاني»

اتهامات بلا أدلة علنية تشعل سباق الروايات

في توقيت شديد الحساسية، عادت نيودلهي إلى واحدة من أكثر أوراقها السياسية والأمنية استخداماً في علاقتها مع إسلام آباد: اتهام جهاز الاستخبارات الباكستاني «ISI» بالوقوف خلف شبكات تنشط داخل الهند. هذه المرة جاء الاتهام على لسان وزير الداخلية الهندي أميت شاه، بالتزامن مع إعلان السلطات الهندية تنفيذ عملية أمنية واسعة قالت إنها استهدفت ما تسميه «شبكة شهزاد بهاتي»، وامتدت إلى 14 ولاية وأسفرت، وفق الرواية الحكومية الهندية، عن توقيف أكثر من 250 شخصاً وتسجيل أكثر من 80 قضية.

وتقول السلطات الهندية إن الشبكة كانت تستعد لتنفيذ أنشطة تخريبية وهجمات باستخدام القنابل اليدوية والمتفجرات والأسلحة، إلى جانب التجسس وعمليات القتل المستهدف. ونقلت وسائل إعلام هندية عن الحكومة أن العمليات جاءت قبل يوم الاستقلال الهندي، وأنها أحبطت مخططات محتملة كان يمكن أن تهدد الأمن الداخلي.

لكن الجزء الأكثر حساسية في الرواية يتعلق بالادعاء بأن الشبكة كانت «مدعومة من ISI». فحتى الآن، تظل الأدلة التي عرضتها نيودلهي علناً لإثبات مسؤولية مؤسسية مباشرة لجهاز الاستخبارات الباكستاني محدودة بالنسبة إلى المراقب الخارجي، فيما تستند الاتهامات بدرجة كبيرة إلى ما تقوله أجهزة الأمن والتحقيق الهندية عن اتصالات وعمليات تجنيد وإدارة من خارج الحدود.

وهنا تنشأ الفجوة بين «وجود شبكة إجرامية أو مسلحة مرتبطة بأشخاص في باكستان» وبين «إثبات تورط جهاز استخبارات دولة». الفارق بين الأمرين جوهري، خصوصاً في قضية يمكن أن تكون لها تداعيات عسكرية ودبلوماسية على دولتين نوويتين.

شهزاد بهاتي.. من عالم الجريمة إلى عنوان أمني

برز اسم شهزاد بهاتي خلال العام الحالي باعتباره أحد أبرز المطلوبين في الرواية الأمنية الهندية المتعلقة بالشبكات العابرة للحدود.

وتقول تقارير هندية إن بهاتي، وهو رجل عصابات باكستاني، استخدم منصات التواصل الاجتماعي في استقطاب شباب داخل الهند، مستفيداً من المال والوعود والمحتوى الرقمي لتكوين خلايا صغيرة يصعب اكتشافها.

كما تربط التحقيقات الهندية اسمه بسلسلة من القضايا في دلهي وأوتار براديش والبنجاب وهاريانا وولايات أخرى.

وتقول وكالة التحقيقات الوطنية الهندية إن بهاتي كان من بين المتهمين في قضية هجوم بقنبلة يدوية على مركز شرطة النساء في سيرسا بولاية هاريانا في نوفمبر 2025، وقد وجهت اتهامات إلى تسعة أشخاص، بينهم مواطنان باكستانيان، في مايو 2026.

كما أعلنت شرطة دلهي في مايو اعتقال أفراد قالت إنهم جزء من شبكة مرتبطة ببهاتي، وضبطت أربع قنابل يدوية ومسدسين من طراز «Glock» وذخيرة.

وتمنح هذه الوقائع الرواية الهندية بعداً أمنياً حقيقياً لا يمكن تجاهله. فهناك، وفق البيانات الرسمية الهندية، تحقيقات واعتقالات وضبط أسلحة وقضايا أمام القضاء. لكن وجود تلك الوقائع لا يحسم تلقائياً السؤال الأكثر أهمية: هل كان جهاز الاستخبارات الباكستاني يقود الشبكة أو يمولها أو يوجهها بصورة مؤسسية؟

من الجريمة المنظمة إلى «الحرب الهجينة»

تكشف قضية بهاتي، بصرف النظر عن صحة كل الاتهامات، عن تغير في طبيعة التهديد الذي تقول الهند إنها تواجهه. فلم تعد السلطات تتحدث فقط عن جماعات مسلحة تقليدية، بل عن مزيج من الجريمة المنظمة والتجنيد الإلكتروني والتطرف والتجسس وتهريب الأسلحة.

وتصف تقارير هندية هذا النموذج بأنه «تهديد هجين»، حيث يمكن لشخص داخل الهند أن يتلقى تعليمات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بينما يتولى شخص موجود في دولة أخرى التمويل أو إصدار التوجيهات. ويجعل ذلك إثبات سلسلة القيادة أكثر صعوبة، كما يسمح للجهات الأمنية بربط عدة قضايا محلية بشبكة واحدة.

وفي ولاية آسام، أعلنت قوة المهام الخاصة في يوليو اعتقال ثلاثة أشخاص قالت إنهم مرتبطون بشبكة بهاتي، وضبطت هواتف وشرائح اتصال ووثائق وبيانات مصرفية. وقالت السلطات إن التحقيقات تشير إلى التجنيد والتطرف والاستطلاع والتجسس وتأمين الأسلحة.

هذه التطورات تعني أن الهند لا تبني اتهامها الأخير على حادث واحد، وإنما على سلسلة عمليات أمنية تراكمت خلال أشهر.

لكن أين الدليل على «ISI»؟

هنا تقع النقطة الأكثر إثارة للجدل.

السلطات الهندية وأجهزة الأمن تتحدث بصورة متكررة عن وجود صلات بين شبكة بهاتي و«ISI». وقد سبق لشرطة دلهي وأجهزة مكافحة الإرهاب في ولايات مختلفة أن استخدمت الوصف نفسه عند الإعلان عن اعتقالات مرتبطة بالشبكة.

لكن بالنسبة إلى الرأي العام الدولي، فإن الاتهام بوجود علاقة مباشرة مع جهاز استخبارات حكومي يحتاج إلى مستوى من الأدلة يتجاوز مجرد اعترافات متهمين أو معلومات استخباراتية لا تُنشر للرأي العام. المطلوب عادةً هو أدلة رقمية أو مالية أو اتصالات موثقة، أو وثائق عملياتية، أو شهادات يمكن اختبارها بصورة مستقلة، أو نتائج قضائية تثبت سلسلة القيادة.

وهذا لا يعني أن الاتهام الهندي خاطئ بالضرورة؛ بل يعني أن المسافة بين «الادعاء الأمني» و«الإثبات العلني» ما زالت قائمة.

وحتى في الحالات التي قدمت فيها الهند ملفات قضائية أكثر تفصيلاً، فإنها غالباً ما تعرض المعلومات من زاوية التحقيقات الهندية، بينما لا يستطيع المراقب المستقل الوصول إلى كامل الأدلة الاستخباراتية التي تقول نيودلهي إنها تمتلكها.

لماذا يظهر الملف الآن؟

التوقيت ليس تفصيلاً ثانوياً.

الهند تحتفل بيوم استقلالها في 15 أغسطس، وهي فترة ترفع فيها الأجهزة الأمنية عادةً مستويات التأهب وتتعامل مع أي معلومات عن هجمات محتملة بدرجة عالية من الحساسية. ولذلك فإن الإعلان عن عملية تشمل 14 ولاية وأكثر من 200 معتقل يرسل رسالة مزدوجة: أمنية وسياسية.

الرسالة الأمنية هي أن الدولة تمتلك القدرة على اكتشاف شبكات واسعة قبل تنفيذ هجمات محتملة.

أما الرسالة السياسية فهي أن الحكومة الهندية تريد التأكيد على أن الخطر لا يأتي فقط من داخل البلاد، وإنما من شبكات عابرة للحدود تدعي نيودلهي أن باكستان تقف خلف بعضها.

وقد استخدمت الحكومة الهندية في السنوات الأخيرة خطاب «الإرهاب العابر للحدود» بصورة متكررة في التعامل مع باكستان، خصوصاً بعد التصعيد العسكري بين البلدين في مايو 2025. ولذلك فإن عودة ملف «ISI» إلى الواجهة تحمل أيضاً بعداً يتعلق بالصراع على الرواية السياسية.

باكستان أمام معادلة صعبة

بالنسبة إلى إسلام آباد، فإن الاتهام أخطر من مجرد قضية أمنية داخل الهند. فإذا تمكنت نيودلهي من تثبيت أدلة مستقلة على تورط مؤسسة رسمية باكستانية، فقد تتحول القضية إلى ورقة ضغط دولية ضد باكستان.

لكن إذا بقيت الاتهامات في إطار البيانات الأمنية الهندية غير المدعومة بأدلة قابلة للتحقق علناً، فسيكون بإمكان إسلام آباد تقديمها باعتبارها امتداداً للحرب الإعلامية والسياسية بين البلدين.

وتتمثل مصلحة باكستان في هذه الحالة في المطالبة بالأدلة، ورفض التعميم، والفصل بين الأشخاص أو الجماعات الإجرامية وبين الدولة الباكستانية ومؤسساتها الرسمية.

وفي الوقت نفسه، فإن أي جماعة أو شخص يستخدم الأراضي الباكستانية لتخطيط أعمال عنف ضد دولة أخرى يمثل مشكلة حقيقية لإسلام آباد، حتى لو لم تثبت صلته بالدولة. فوجود شبكات إجرامية عابرة للحدود يمكن أن يضر بصورة باكستان ويمنح الهند ذريعة لمزيد من الضغط الأمني والدبلوماسي.

منطق الدعاية.. هل كل شيء سياسي؟

من الخطأ أيضاً اختزال الملف بالكامل في «دعاية هندية». فالمعلومات المتاحة تشير إلى وجود عمليات أمنية حقيقية واعتقالات وضبط أسلحة وقضايا قضائية متعددة مرتبطة بشخصية بهاتي. كما أن وكالة التحقيقات الوطنية الهندية أدرجت اسمه في ملف قضائي يتعلق بهجوم على مركز للشرطة.

لكن الخطأ المقابل هو التعامل مع كل بيان أمني باعتباره حقيقة نهائية.

التحقيقات القضائية هي التي يجب أن تحدد مسؤولية الأفراد، بينما تحتاج الاتهامات المتعلقة بمؤسسة استخباراتية لدولة أخرى إلى أدلة أكثر صلابة وشفافية. وهذا مهم تحديداً لأن اتهام «ISI» يحمل أثراً سياسياً وعسكرياً يتجاوز القضية الجنائية نفسها.

التحدي الأكبر: منع التصعيد

المشكلة في الهند وباكستان أن هامش الخطأ ضيق للغاية.

فقد أثبتت المواجهات السابقة أن حادثاً أمنياً واحداً يمكن أن ينتقل بسرعة من المستوى المحلي إلى أزمة دبلوماسية، ثم إلى تحركات عسكرية. ولذلك فإن استخدام لغة حاسمة بشأن مسؤولية دولة أخرى قبل اكتمال الأدلة قد يؤدي إلى رفع مستوى التوتر، بينما يمكن للتحقيقات الهادئة والتعاون الدولي أن تمنح الاتهامات وزناً أكبر إذا كانت صحيحة بالفعل.

ومن ناحية أخرى، إذا كانت الهند تمتلك أدلة قوية على وجود توجيه خارجي، فإن أفضل استراتيجية لها ليست الاكتفاء بالتصريحات السياسية، وإنما تقديم الأدلة إلى جهات دولية مستقلة، بما يعزز موقفها ويقلل مساحة التشكيك.

إلى أين تتجه القضية؟

من المرجح أن تتحول شبكة شهزاد بهاتي إلى ملف أمني مستمر داخل الهند، لا إلى عملية تنتهي بمجموعة الاعتقالات الأخيرة. فعدد القضايا المعلنة وتوزعها الجغرافي يشيران إلى أن أجهزة الأمن الهندية تنظر إلى الشبكة باعتبارها بنية متعددة المستويات.

وقد يؤدي ذلك إلى مزيد من الاعتقالات والتحقيقات في الولايات التي ظهرت فيها مؤشرات على التجنيد الرقمي أو نقل الأسلحة أو الاستطلاع.

أما على المستوى الهندي-الباكستاني، فمن المرجح أن تستمر حرب الروايات. ستقول نيودلهي إن تفكيك الشبكة دليل على نجاح أجهزتها في مواجهة الإرهاب العابر للحدود، بينما ستتمسك إسلام آباد برفض اتهام مؤسساتها من دون أدلة قابلة للتحقق.

وفي النهاية، فإن القضية الحقيقية ليست عدد المعتقلين ولا حدة التصريحات، وإنما سؤال واحد: هل تستطيع الهند أن تقدم دليلاً مستقلاً ومقنعاً يثبت أن جهاز الاستخبارات الباكستاني أصدر أوامر مباشرة لهذه الشبكة؟

إذا ظهر هذا الدليل، فستكون القضية ذات تبعات استراتيجية كبيرة. أما إذا بقيت المعلومات محصورة في مصادر أمنية وتصريحات سياسية، فستظل قضية بهاتي جزءاً من الصراع الأوسع على الرواية بين نيودلهي وإسلام آباد، حيث تختلط الاعتبارات الأمنية بالحسابات السياسية، ويصبح إثبات الحقيقة أهم من تكرار الاتهام.

اترك تعليقا