كيف تعيد «موسكو» رسم مكانتها في النظام الدولي الجديد؟

استراتيجية روسية لمواجهة العقوبات وتعزيز الشراكات مع الاقتصادات الصاعدة

لم تعد مكانة روسيا في النظام الدولي تُقاس فقط بحجم ترسانتها العسكرية أو نفوذها السياسي، بل أصبحت ترتبط أيضًا بقدرتها على التكيف مع التحولات الاقتصادية والجيوسياسية المتسارعة التي يشهدها العالم، فمنذ عام 2022، واجهت موسكو واحدة من أكبر موجات العقوبات الاقتصادية والمالية في التاريخ الحديث، ما دفعها إلى إعادة توجيه تجارتها الخارجية، وتسريع سياسات الإحلال محل الواردات، وتعزيز شراكاتها مع الاقتصادات الصاعدة، خاصة في آسيا والشرق الأوسط وإفريقيا.

وبينما لا تزال روسيا إحدى أكبر القوى النووية والعسكرية في العالم، فإن مستقبل نفوذها يتوقف بصورة متزايدة على قدرتها على تحقيق التوازن بين القوة الصلبة والتنمية الاقتصادية والابتكار التكنولوجي، في ظل نظام دولي يتجه تدريجيًا نحو مزيد من التعددية القطبية.

مقومات القوة وإعادة توجيه الاقتصاد

تُعد “روسيا” أكبر دولة في العالم من حيث المساحة، وعضوًا دائمًا في مجلس الأمن الدولي، وتمتلك واحدة من أكبر الترسانات النووية، إلى جانب قاعدة صناعية وعلمية متقدمة ورصيد كبير من الخبرات في مجالات الفضاء والطاقة والهندسة، كما تمتلك احتياطيات ضخمة من “النفط” و”الغاز الطبيعي” و”الفحم” و”اليورانيوم” و”النيكل” و”البلاديوم”، وهو ما يجعلها لاعبًا محوريًا في أسواق الطاقة والمعادن العالمية.

ومنذ عام 2022، أعادت “موسكو” هيكلة جزء كبير من تجارتها الخارجية بعد تراجع تعاملاتها مع العديد من الأسواق الغربية، فاتجهت بصورة أكبر نحو “الصين” و”الهند” و”تركيا” و”دول الخليج” و”آسيا الوسطى”، مع زيادة استخدام العملات المحلية في بعض المبادلات التجارية وتقليص الاعتماد النسبي على الدولار في عدد من المعاملات الثنائية، وتشير بيانات “صندوق النقد الدولي” و”البنك الدولي” إلى أن الاقتصاد الروسي أظهر قدرة على التكيف مع العقوبات عبر إعادة توجيه الصادرات وتعزيز الإنتاج المحلي في عدد من القطاعات، رغم استمرار الضغوط المرتبطة بالتكنولوجيا والتمويل والاستثمار.

ويرى “ألكسندر غابوييف”، (مدير مركز كارنيغي لروسيا وأوراسيا)، أن السياسة الاقتصادية الروسية أصبحت ترتكز بصورة أكبر على تنويع الشركاء التجاريين، مع منح أولوية متزايدة للعلاقات الاقتصادية مع آسيا والشرق الأوسط، في إطار استراتيجية تهدف إلى تقليل الاعتماد على الأسواق الغربية وتعزيز الروابط مع الاقتصادات الصاعدة.

الطاقة والصناعة والدفاع ركائز النفوذ الروسي

لا تزال الطاقة تمثل أهم أدوات النفوذ الاقتصادي الروسي، إذ تُعد البلاد من أكبر منتجي ومصدري النفط والغاز الطبيعي في العالم، كما تمتلك احتياطيات استراتيجية من المعادن النادرة والمواد الخام الضرورية للصناعات الحديثة، وتشير تقديرات “وكالة الطاقة الدولية” إلى أن “روسيا” ستظل لاعبًا مؤثرًا في أسواق الطاقة العالمية خلال السنوات المقبلة، رغم التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة، وذلك بفضل ضخامة احتياطياتها وتنوع أسواقها التصديرية.

ويرى “دانيال يرغين”، (نائب رئيس مؤسسة S&P Global)، أن العقوبات الغربية غيّرت خريطة تجارة الطاقة الروسية لكنها لم تُنهِ دورها العالمي، حيث نجحت “موسكو” في إعادة توجيه جانب كبير من صادرات النفط إلى الأسواق الآسيوية، بالتوازي مع تطوير ممرات النقل وخطوط الأنابيب والبنية اللوجستية.

وفي المجال الصناعي، تحتفظ “روسيا” بمكانة متقدمة في الصناعات الدفاعية والنووية والفضائية، وتُعد شركة “روساتوم” من أكبر الشركات العالمية في بناء وتشغيل المفاعلات النووية المدنية، بينما يواصل قطاع الفضاء الروسي تنفيذ برامج للإطلاق الفضائي والتعاون العلمي مع عدد من الدول، وإن كان بوتيرة مختلفة عن السابق نتيجة التوترات الجيوسياسية.

ويؤكد “مارك غاليوني”، (الباحث في المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية)، أن القدرات العسكرية والردع النووي سيظلان من أهم عناصر القوة الروسية، إلا أن الحفاظ على النفوذ الدولي على المدى الطويل سيعتمد أيضًا على رفع الإنتاجية، وتحديث الصناعة، وتعزيز الابتكار التكنولوجي.

التكنولوجيا والتحالفات وتحديات المستقبل

بالتوازي مع إعادة توجيه الاقتصاد، توسع “روسيا” تعاونها ضمن تجمع “بريكس”، و”منظمة شنغهاي للتعاون”، و”الاتحاد الاقتصادي الأوراسي”، سعيًا إلى تعزيز التجارة والاستثمار والربط اللوجستي مع الاقتصادات الآسيوية والشرق الأوسط، إضافة إلى توسيع حضورها الاقتصادي في إفريقيا، ويرى “إيشوار براساد”، (أستاذ الاقتصاد بجامعة كورنيل)، أن توسع مجموعة “بريكس” يمنح موسكو فرصًا إضافية لتعزيز علاقاتها مع الاقتصادات الصاعدة، لكنه لا يعوض بالكامل أهمية الوصول إلى الأسواق ورؤوس الأموال والتقنيات الغربية.

وفي قطاع التكنولوجيا، تواجه “روسيا” تحديات كبيرة نتيجة القيود المفروضة على استيراد بعض أشباه الموصلات والتقنيات المتقدمة، وهو ما دفعها إلى زيادة الاستثمار في البرمجيات المحلية، والأمن السيبراني، والذكاء الاصطناعي، والإلكترونيات، مع توسيع التعاون التقني مع عدد من الشركاء، خاصة في آسيا، كما لا تزال البلاد تتمتع بقاعدة علمية قوية في مجالات الفيزياء والرياضيات والهندسة والطاقة النووية والفضاء، وهي مجالات تشكل أحد أهم عناصر قوتها الإستراتيجية.

وفي المقابل، تواجه “روسيا” تحديات ديموغرافية تتمثل في انخفاض معدلات المواليد وارتفاع متوسط الأعمار وتراجع حجم القوى العاملة، وهي عوامل تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أنها ستفرض ضغوطًا متزايدة على سوق العمل والإنفاق الاجتماعي خلال العقود المقبلة، ويرى “ديميتري ترينين”، الباحث الروسي المتخصص في العلاقات الدولية، أن “موسكو” تتجه إلى ترسيخ هويتها كقوة أوراسية مستقلة، مع السعي للحفاظ على هامش واسع من الاستقلال الإستراتيجي في عالم يتسم بتعدد مراكز القوة.

وتخلص تقديرات مؤسسات بحثية، من بينها “المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية” (IISS)، و”منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية” (OECD)، إلى أن مكانة “روسيا” المستقبلية ستتحدد بقدرتها على تنويع اقتصادها بعيدًا عن الاعتماد النسبي على صادرات الطاقة، وزيادة الاستثمار في التكنولوجيا والابتكار، وتعزيز الإنتاجية، والحفاظ على شبكة واسعة من الشراكات الاقتصادية، فبرغم امتلاكها مقومات قوة عسكرية وموارد طبيعية استثنائية، فإن الحفاظ على نفوذها العالمي سيظل مرتبطًا بقدرتها على التكيف مع التحولات الاقتصادية والتكنولوجية التي تعيد تشكيل النظام الدولي.

اترك تعليقا