محدّدات السلوك الصيني في التعامل مع الحرب الحالية
د محمد مكرم بلعاوي
- dr-naga
- 13 يوليو، 2026
- المشاريع العالمية, مقالات وتحليلات
- إيران, الحرب الحالية, الصين, الطاقة, المحددات الجيوسياسية والاقتصادية
يتحرّك السلوك الصيني حيال المواجهة العسكرية الحالية ضمن شبكة معقّدة من المحددات الجيوسياسية والاقتصادية، التي تفرض على بكين اتباع سياسة متوازنة ودقيقة. ويمكن تفصيل هذه المعطيات وفق المحاور التالية:
1. محدد أمن الطاقة والمصالح الاقتصادية:
تُمثّل الطاقة عاملاً رئيسياً في الرؤية الصينية لإيران، وتعدّ اتفاقية “الشراكة الاستراتيجية الشاملة”، المُوقَّعة في آذار/ مارس 2021، عصب الشراكة الاقتصادية والاستراتيجية بين البلدَيْن، حيث تُشكِّل الطاقة ركيزتها الأساسية. وبحسب ما أُعلن، ستضخّ الصين استثمارات تُقدَّر بنحو 400 مليار دولار أمريكي في قطاعات النفط والغاز والبتروكيماويات الإيرانية، مقابل ضمان إمدادات ثابتة ومستقرّة من النفط الإيراني بأسعار مخفضة وبشروط دفع ميسّرة، بما يعزّز أمن الطاقة الصيني.
وتهدف الاتفاقية إلى تأمين تدفّقات الطاقة على المدى البعيد، أكثر من كونها عقوداً استثمارية فورية، حيث تستحوذ الصين على نحو 90% من إجمالي الصادرات النفطية الإيرانية؛ إذ تستورد ما بين 1.2 إلى 1.5 مليون برميل يومياً بأسعار تفضيلية.
كما تدمج الاتفاقية إيران في مبادرة الحزام والطريق Belt and Road Initiative (BRI)، عبر تطوير موانئ استراتيجية، مثل ميناء جاسك وميناء تشابهار، وبناء شبكات سكك حديدية وطرق سريعة تربطها بدول آسيا الوسطى وصولاً إلى الصين، ما يجعلها عقدة لوجستية حيوية للتجارة الصينية نحو أوروبا والشرق الأوسط. وتشمل الاتفاقيّة أيضاً نقل التكنولوجيا الصينية وتطوير البنية التحتية للاتصالات في إيران. ويتضمّن الاتفاق كذلك بعض البنود العسكرية والأمنية، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، والتعاون في مكافحة الإرهاب.
وقد طوّرت بكين آليات مالية تعتمد على استخدام اليوان الصيني في التسويات لتجاوز العقوبات الأمريكية، مما يعزّز أمن الطاقة الصيني من جهة، ويمنع الانهيار الاقتصادي الإيراني من جهة أخرى.
1. محدِّد الجغرافيا السياسية و”الجسر الأوراسي”:
لفهم المكانة المركزية التي تحتلها طهران في الحسابات الاستراتيجية لبكين، لا بدّ من النظر إلى الجغرافيا بوصفها المحرّك الأساسي للسياسة الخارجية الصينية، حيث تسعى بكين لتأمين مسارات عبور قاريّة آمنة، تفك ارتباطها الإجباري بالممرات المائية التي يهيمن عليها الغرب. وضمن هذه الرؤية، يُعرف “الجسر الأوراسي” باعتباره مشروع سكة حديد صيني استراتيجي ضمن مبادرة “الحزام والطريق”، يربط شرق الصين بأوروبا عبر آسيا الوسطى، مما يقلّل زمن الشحن مقارنة بالطرق البحرية، ويُعزّز التجارة والروابط اللوجستية بين القارتين.
تُمثّل إيران بالنسبة للصين “عقدة جيوسياسية” ضرورية تربط بين آسيا الوسطى والشرق الأوسط وجنوب آسيا وأوروبا دون المرور بممرات بحرية خاضعة للهيمنة الأمريكية، خصوصاً أنّ اعتمادها على المضائق البحرية (مثل مضيق ملقا) يعدّ تهديداً استراتيجياً لأمنها القومي في حال نشوب صراعات أو إغلاقه من قبل الولايات المتحدة، وهنا توفر إيران طريقاً برياً وبحرياً يضمن تدفق الطاقة بعيداً عن الهيمنة الغربية.
لذا، فإن السلوك الصيني محكوم بضرورة حماية هذا الممر ضمن “مبادرة الحزام والطريق” لضمان استمرارية تدفّق التجارة نحو أوروبا، بعيداً عن نقاط الاختناق البحرية الحساسة.
1. محدِّد التوازن الإقليمي (المثلث الصيني – الباكستاني – الإيراني):
تدرك الصين أنّ أي انهيار في إيران ستكون كلفته الاستراتيجية هائلة عليها، من: تعطيل إمدادات الطاقة،و تهديد مشاريع “الحزام والطريق”، وصولاً إلى اضطراب حدود باكستان، أحد أهم محاور نفوذها الآسيوي، ويواجه سلوكها قيداً يتمثّل في ضرورة الحفاظ على توازن دقيق بين حليفها الأمني التقليدي (باكستان) وشريك الطاقة (إيران).
لذلك، حاولت بكين لعب دور القوة الضامنة للاستقرار في المنطقة، من خلال تعميق التعاون مع طهران في إطار غير صدامي، وتوسيع حضورها في المؤسسات متعدّدة الأقطاب، مثل منظمة شنغهاي للتعاون Shanghai Cooperation Organization (SCO) وبريكس BRICS. وتدرك أنّ أي انحياز عسكري كامل لطهران قد يزعزع علاقاتها مع إسلام آباد أو يثير قلق دول الخليج. لذا، فضّلت بناء شبكة تعاون مرنة تربط الموانئ (مثل جوادر وتشابهار) وتؤمّن الحدود، بدلاً من الدخول في أحلاف عسكرية قد تؤدي إلى اصطفافات إقليمية مضادة تضرّ بمصالحها الأوسع.
1. محدِّد العلاقة مع واشنطن و”إسرائيل”:
تنظر الصين إلى الحرب الحالية ضمن المنافسة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، ويمكن توظيفها كساحة لاستنزاف الموارد الأمريكية وتشتيت تركيز واشنطن عن استراتيجية “الاستدارة نحو آسيا Pivot to Asia”، الرامية لتطويق النفوذ الصيني في بحر الصين الجنوبي وملف تايوان.
وتصوغ علاقتها الحالية مع إيران وفق معادلة الحفاظ على النظام ومنع سقوطه، مع تجنّب المواجهة المباشرة والصدام مع الولايات المتحدة، ودون الدعم العسكري المباشر، وهي معادلة تسمح لها بالبقاء لاعباً مؤثّراً دون أن تُصبح طرفاً في المواجهة.
وهذا يسمح لها أيضاً بالحفاظ على علاقة متوازنة مع “إسرائيل”، لحماية مصالحها التكنولوجية والاقتصادية الحسّاسة، مع استخدام الأدوات “الناعمة” مثل الالتفاف على العقوبات، والتجارة بالعملات البديلة للحفاظ على شريان الحياة الاقتصادي لطهران دون التورّط العسكري.
1. محدِّد العلاقة مع الخليج:
تضع الصين ضرورة الحفاظ على شبكة مصالحها الواسعة مع دول مجلس التعاون الخليجي ضمن محددات تعاطيها مع الحرب الحالية، وتستمر في سياساتها القائمة على تجنّب تحويل شراكتها مع طهران إلى عامل قد يستفز شركاءها الاقتصاديين الرئيسيين في الخليج.
وتدرك الصين أنّ كلفة الانحياز المطلق لإيران قد تؤدي إلى خسارات اقتصادية لاستثماراتها مع دول مجلس التعاون الخليجي، التي يتجاوز حجم تبادلها التجاري حاجز الـ 300 مليار دولار. وتعدّ المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة شريكَيْن تجاريَّيْن وتكنولوجيَّيْن يفوقان في وزنهما الاقتصادي بالنسبة لبكين السوق الإيرانية المثقلة بالعقوبات. كما أنّ دول الخليج العربي، وخصوصاً السعودية، تظل المصدر المستقر والأكبر للطاقة بالنسبة إلى الصين. وأي زعزعة لاستقرار الممرات المائية في الخليج نتيجة الحرب ستضرب عصب الصناعة الصينية، لذلك تحاول بكين لعب دور الوسيط كما حدث في “اتفاق بكين” في آذار/ مارس 2023 لاستئناف العلاقات السعودية الإيرانية، والذي كان يهدف بالأساس إلى “تصفير المخاطر” الجيوسياسية المحيطة بمصادر الطاقة الصينية.
وبناءً على ذلك، فإنّ الموقف الصيني من الحرب الحالية محكوم بضرورة منع انهيار إيران دون استعداء الخليج، لضمان تدفّق النفط الإيراني الرخيص، مع الحفاظ على الاتفاقيات التجارية والاستثمارية العملاقة في دول الخليج.
1. التطلّعات لنظام دولي جديد:
تنطلق الصين في مقاربتها للأزمة من رؤية استراتيجية أشمل، تطمح من خلالها لإعادة هيكلة النظام الدولي القائم، الذي طالما وُجِّهت إليه الانتقادات، واصفة إياه بأنه نظام مبني على الهيمنة الغربية، يعامل الدول الأخرى بازدواجية ونظرة فوقية، ويُقصي المصالح الحيوية لدول “الجنوب العالمي”، وعاجز عن احتواء الأزمات.
وفي هذا السياق، توظّف الصين إدارتها للحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران كـمحفز لتسريع عجلة التعددية القطبية، فهي تستخدم الارتباك الأمريكي في إدارة الحرب كدليل عملي على إخفاق الأحادية القطبية، مما يعزّز من قبول دور الصين كقطب توازني بديل. ويتجلّى هذا الطموح في تصاعد تصريحات الصين التي تدعو إلى إعادة تشكيل النظام الدولي بما يتناسب مع قيمها ومصالحها، ويعمل على حلّ الأزمات الدولية بشكل أكثر عدلاً وفعالية، وتسريع وتيرة توسيع نطاق التسويات التجارية باليوان الصيني، وتفعيل شبكات مالية بديلة (مثل نظام الدفع بين البنوك عبر الحدود (سيبس) Cross-Border Interbank Payment System (CIPS)) تتيح للحلفاء والشركاء النفاذ للأسواق العالمية والالتفاف على سلاح العقوبات الغربية.
وتطمح الصين لتكون المرشَّح الأول لإعادة إعمار البنية التحتية في إيران (الطاقة، والنقل، والاتصالات) في مرحلة ما بعد توقّف العمليات العسكرية، على أساس أنّ البنية التحتية الإيرانية محجوزة مسبقاً للشركات الصينية بموجب “وثيقة الشراكة الاستراتيجية”، مثل تحديث الموانئ، وكهربة خطوط السكك الحديدية، وبناء شبكات الجيل الخامس 5G، مما يعني أنّ أي عملية إعمار مستقبلية لابد أن تتقاطع مع بنود الوثيقة.
—
جزء من تقدير موقف استراتيجي عن مركز الزيتونة للدراسات
