جرينلاند.. قلب الصراع الأمريكي الصيني
المعادن النادرة والممرات البحرية
- محمود الشاذلي
- 12 يوليو، 2026
- تقارير وترجمات
- أمريكا الشمالية وأوروبا, الصراع الأمريكي – الصيني, جرينلاند, هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية
لم تعد جرينلاند تُنظر إليها باعتبارها جزيرة يغطيها الجليد وتقع على هامش السياسة الدولية، بل أصبحت خلال العقد الأخير إحدى أبرز نقاط الارتكاز في التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين، في ظل التحولات التي يشهدها القطب الشمالي بفعل التغير المناخي، والارتفاع المتسارع في الطلب العالمي على المعادن الحرجة، وتزايد أهمية الممرات البحرية الجديدة التي قد تعيد رسم خريطة التجارة الدولية.
وتتمتع الجزيرة، التي تتمتع بحكم ذاتي ضمن مملكة الدنمارك، بموقع استراتيجي يربط بين أمريكا الشمالية وأوروبا، ويطل على المحيط المتجمد الشمالي، ما منحها منذ عقود أهمية عسكرية كبيرة بالنسبة للولايات المتحدة. إلا أن هذه الأهمية لم تعد تقتصر على الاعتبارات الأمنية، بل امتدت إلى أبعاد اقتصادية وصناعية وتقنية جعلت جرينلاند في قلب المنافسة بين القوى الكبرى.
وتستضيف الجزيرة قاعدة بيتوفيك الفضائية، المعروفة سابقًا باسم قاعدة ثول الجوية، والتي تعد أحد أهم المواقع العسكرية الأمريكية في القطب الشمالي، حيث تلعب دورًا رئيسيًا في منظومات الإنذار المبكر ومراقبة الصواريخ والأنشطة الفضائية، فضلاً عن دعم القدرات الدفاعية الأمريكية في المنطقة. ومع تصاعد التوترات الدولية، ازدادت أهمية هذه القاعدة باعتبارها نقطة متقدمة لمراقبة التحركات العسكرية في الدائرة القطبية.
وفي الجانب الاقتصادي، تشير تقديرات هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية (USGS) وهيئة المسح الجيولوجي الدنماركية وجرينلاند (GEUS) إلى أن الجزيرة تمتلك احتياطيات واعدة من المعادن الحرجة، بما في ذلك العناصر الأرضية النادرة والجرافيت والزنك والنحاس، إضافة إلى معادن أخرى تدخل في الصناعات الدفاعية والتقنيات المتقدمة والطاقة النظيفة والسيارات الكهربائية والبطاريات وأشباه الموصلات.
ورغم أن عمليات التعدين لا تزال محدودة بسبب الظروف المناخية القاسية وارتفاع تكاليف الاستخراج، فإن التوقعات تشير إلى أن هذه الموارد قد تصبح عنصرًا أساسيًا في سوق المعادن العالمية خلال العقود المقبلة، خاصة مع تزايد الطلب على المواد المستخدمة في التحول نحو الاقتصاد الأخضر.
وتأتي هذه التطورات في وقت تسعى فيه الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي إلى تقليل الاعتماد على الصين في سلاسل إمداد المعادن الحرجة، إذ تواصل بكين الحفاظ على موقعها المهيمن في عمليات معالجة العناصر الأرضية النادرة، وهو ما يدفع الدول الغربية إلى البحث عن مصادر بديلة أكثر أمانًا واستقرارًا.
ومن هذا المنطلق، برزت جرينلاند كأحد الخيارات الإستراتيجية التي يمكن أن تسهم في تنويع مصادر الإمداد، الأمر الذي يفسر تنامي الاهتمام الأمريكي بالجزيرة، سواء من خلال تعزيز التعاون الاقتصادي أو توسيع الشراكات في مجالات التعدين والبنية التحتية والبحث العلمي.
في المقابل، أبدت الصين منذ سنوات اهتمامًا متزايدًا بالاستثمار في جرينلاند، حيث سعت شركات صينية إلى المشاركة في مشاريع تتعلق بالتعدين وإنشاء المطارات والموانئ والبنية التحتية. غير أن هذه التحركات واجهت اعتراضات من الولايات المتحدة والدنمارك، اللتين اعتبرتا أن بعض هذه الاستثمارات قد تحمل أبعادًا استراتيجية تتجاوز الجانب الاقتصادي، وقد تمنح بكين موطئ قدم دائمًا في منطقة شديدة الحساسية من الناحية الأمنية.
وتجسد هذا الاهتمام الأمريكي بشكل واضح عام 2019 عندما طرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فكرة شراء جرينلاند، وهو المقترح الذي قوبل برفض قاطع من الدنمارك وحكومة الجزيرة. ورغم أن الفكرة أثارت آنذاك جدلًا واسعًا، فإن العديد من مراكز الدراسات اعتبرتها انعكاسًا لإدراك متزايد داخل واشنطن للأهمية الإستراتيجية التي باتت تمثلها الجزيرة في ظل المتغيرات الدولية.
ويرى خبراء في شؤون القطب الشمالي أن المنافسة الحالية لم تعد تدور حول الانتشار العسكري فقط، بل تشمل أيضًا السيطرة على الموارد الطبيعية، وتأمين الممرات البحرية الجديدة، وضمان استقرار سلاسل الإمداد العالمية، والتفوق في الصناعات التكنولوجية المتقدمة.
فذوبان الجليد نتيجة تغير المناخ يفتح تدريجيًا ممرات بحرية يمكن أن تقلص زمن نقل البضائع بين آسيا وأوروبا، وهو ما يمنح المنطقة قيمة اقتصادية متزايدة، ويجعلها محط اهتمام القوى التجارية الكبرى، خاصة الصين التي تروج لمفهوم “طريق الحرير القطبي” باعتباره امتدادًا لمبادرة الحزام والطريق.
وفي المقابل، تعمل الولايات المتحدة على ترسيخ حضورها في جرينلاند عبر تعزيز التعاون مع حكومة الجزيرة والدنمارك، وإعادة افتتاح قنصليتها في العاصمة نوك، إلى جانب دعم مشاريع اقتصادية وتنموية، في خطوة تهدف إلى توسيع نفوذها السياسي والاقتصادي وموازنة أي تمدد صيني محتمل.
وفي الوقت نفسه، تسعى حكومة جرينلاند إلى تحقيق معادلة دقيقة تقوم على الاستفادة من الاستثمارات الأجنبية لتنمية الاقتصاد المحلي، مع الحفاظ على استقلالية القرار السياسي وعدم الانحياز الكامل لأي من القوى المتنافسة. كما تتزايد داخل الجزيرة الدعوات إلى استثمار الثروات الطبيعية بما يحقق تنمية مستدامة ويعزز فرص الاستقلال الاقتصادي مستقبلاً.
ومع استمرار التحولات المناخية، وازدياد الطلب العالمي على المعادن الحرجة، وتصاعد المنافسة بين الولايات المتحدة والصين، تبدو جرينلاند مرشحة لأن تصبح إحدى أكثر المناطق تأثيرًا في معادلات السياسة الدولية خلال السنوات المقبلة. فالموقع الجغرافي الفريد، والثروات المعدنية الضخمة، وأهمية الممرات البحرية، كلها عوامل تجعل الجزيرة تتجاوز حدودها الجغرافية لتصبح إحدى أبرز ساحات التنافس على النفوذ والموارد في القرن الحادي والعشرين، في ظل سباق عالمي يتداخل فيه الأمن والاقتصاد والتكنولوجيا في مشهد يعيد تشكيل موازين القوى الدولية.
