شبكات الاتصالات تشعل الصراع الأمريكي الصيني في إفريقيا

التنافس بين واشنطن وبكين يعزر القدرات الرقيمية للقارة السمراء

لم تعد المنافسة بين الولايات المتحدة والصين تقتصر فقط على الموانئ والطاقة والمعادن، بل انتقلت بقوة إلى مجال البنية التحتية الرقمية، حيث أصبحت الكابلات البحرية ومراكز البيانات وشبكات الاتصالات إحدى أهم أدوات النفوذ في القرن الحادي والعشرين.

التنافس علي الكابلات البحرية وشبكة الاتصالات  أبرزت دور القارة الإفريقية كإحدى الساحات الجديدة لهذا التنافس، بسبب نمو سوق الإنترنت فيها واحتياج دولها إلى استثمارات ضخمة لتطوير البنية الرقمية.

ومن المهم الإشارة هنا إلي أن  حركة الإنترنت العالمية تعتمد بصورة أساسية على شبكة من الكابلات البحرية الممتدة عبر المحيطات، إذ تنقل الجزء الأكبر من البيانات الدولية بين القارات.

الكابلات البحرية والأمن القومي

ولأهمية هذا الدور التي تقوم به الكابلات البحرية  أصبحت السيطرة على مسارات هذه الكابلات، أو المشاركة في تمويلها وتشغيلها، عنصرًا مرتبطًا بالأمن الاقتصادي والسياسي للدول الكبرى.

وخلال السنوات الماضية عززت الشركات الصينية حضورها في قطاع الاتصالات الإفريقي، خاصة عبر شركة هواوي

التي شاركت في بناء شبكات اتصالات في عدد من الدول الإفريقية، وقدمت معدات للبنية التحتية الرقمية بأسعار تنافسية.

كما استثمرت الصين في مشروعات مراكز البيانات والحوسبة السحابية ضمن إطار مبادرة الحزام والطريق الرقمية.

في المقابل، تنظر الولايات المتحدة إلى البنية الرقمية باعتبارها مجالًا حساسًا يرتبط بالأمن القومي. وقد حذرت واشنطن حلفاءها وشركاءها من مخاطر الاعتماد الكبير على شركات صينية في القطاعات التكنولوجية الحيوية، معتبرة أن بعض المعدات قد تستخدم لأغراض جمع المعلومات أو التأثير الإستراتيجي، وهي اتهامات تنفيها بكين والشركات الصينية.

الصراع بين القوي الكبري 

ووفي هذا السياق ، رأي الباحث في مركز الدراسات الإستراتيجية والدوليةوالمتخصص في الشؤون الإفريقية، كاميرون هدسون أن التنافس الرقمي في إفريقيا يعكس تحول القارة إلى ساحة مهمة في الصراع بين القوى الكبرى، لأن الدولة التي تساعد في بناء البنية التحتية الرقمية قد تكتسب نفوذًا طويل الأمد في الاقتصاد والمعلومات.

وفي نفس السياق يري الباحث والمسؤول السابق في مجلس الأمن القومي الأمريكي لشؤون إفريقيا، جود ديفرمونت، فيشير إلى أن الولايات المتحدة تحاول تقديم بدائل تقوم على الشفافية والأمن الرقمي، لكنها تواجه تحديًا يتمثل في سرعة تنفيذ المشروعات الصينية وقدرتها على تقديم تمويل واسع للبنية التحتية.

ومن الجانب الصيني، تؤكد بكين أن تعاونها الرقمي مع الدول الإفريقية يهدف إلى دعم التنمية والتحول الرقمي، وتنتقد ما تصفه بمحاولات أمريكية لتسييس التكنولوجيا وعرقلة الشركات الصينية.

من جانبها تعتبر  الصين أن خبرتها في بناء شبكات الاتصالات تساعد الدول النامية على توسيع الوصول إلى الإنترنت والخدمات الرقمية.

الدولة الإفريقية وساحة المناورة

وفي السنوات الأخيرة دعمت الولايات المتحدة مبادرات مثل الشراكة الرقمية العالمية لتعزيز التعاون التكنولوجي مع الدول النامية، كما تعاونت مع شركات غربية في مشروعات مرتبطة بالأمن السيبراني والاتصالات. وفي المقابل، استمرت الصين في توسيع حضورها عبر مشروعات مثل طريق الحرير الرقمي.

الباحث في شؤون التكنولوجيا الدولية، ستيفن فيلدمان،أوضح أن المعركة الحقيقية لا تدور فقط حول تركيب أبراج الاتصالات، بل حول من يضع المعايير التقنية، ومن يمتلك البيانات، ومن يتحكم في أنظمة الحوسبة المستقبلية.

وبدوره أشار ، الباحث في معهد تشاتام هاوس، أليكس فاندين هيرك إلى أن الدول الإفريقية لا تريد بالضرورة الاختيار بين الصين والغرب، بل تسعى غالبًا إلى الحصول على أفضل العروض الاستثمارية، وهو ما يمنح الحكومات الإفريقية مساحة للمناورة.

حرب المعلومات

ويؤكد خبراء الاتحاد الدولي للاتصالات أن إفريقيا ستشهد نموًا كبيرًا في استخدام الإنترنت والخدمات الرقمية خلال العقد المقبل، ما يجعل البنية التحتية الرقمية أحد أهم مجالات الاستثمار العالمي.

لكن هذا الأمر لا يخلومن وجود تحديات  أمام الدول الإفريقية وهي تحديات تتمثل  في ضمان أن تتحول المنافسة الدولية إلى فوائد تنموية حقيقية، عبر نقل التكنولوجيا، وتدريب الكوادر المحلية، وحماية البيانات، وعدم الاكتفاء بدور المستهلك للتقنيات الأجنبية.

وختاما من المهم الإشارة إلي ان  الكابلات البحرية وشبكات الاتصالات في إفريقيا غدت جزءًا من المنافسة الكبرى بين واشنطن وبكين، حيث لم تعد القوة العالمية تقاس فقط بعدد السفن والقواعد العسكرية، بل أيضًا بقدرة الدول على التحكم في تدفق المعلومات والتكنولوجيا

اترك تعليقا