تايوان وأشباه الموصلات.. الرقائق التي تشعل سباق الهيمنة العالمية اليوم

حيث تؤثر في الاقتصاد العالمي والأمن القومي

لم تعد قضية تايوان تقتصر على الخلاف السياسي بين الصين والولايات المتحدة، بل تحولت إلى إحدى أهم القضايا الإستراتيجية التي تحدد مستقبل الاقتصاد العالمي والتكنولوجيا والأمن الدولي. فخلف التوترات العسكرية في مضيق تايوان تكمن صناعة لا يتجاوز حجم مكوناتها بضعة مليمترات، لكنها أصبحت أساس الهواتف الذكية، والحواسيب، والسيارات الكهربائية، والذكاء الاصطناعي، والأقمار الصناعية، والأسلحة المتطورة. إنها أشباه الموصلات (Semiconductors)، التي باتت توصف بأنها “نفط القرن الحادي والعشرين“.

وتشير تقارير شركة TSMC وTrendForce إلى أن تايوان تتصدر العالم في تصنيع الرقائق الإلكترونية المتقدمة، بينما تؤكد وكالة رويترز ووكالة بلومبرغ أن هذه الهيمنة جعلت الجزيرة تمثل نقطة ارتكاز في التنافس الإستراتيجي بين واشنطن وبكين.

لماذا تعد أشباه الموصلات بهذه الأهمية؟

أشباه الموصلات هي المكون الأساسي لكل جهاز إلكتروني حديث، بدءًا من الهواتف الذكية والحواسيب، مرورًا بالسيارات والطائرات، وصولًا إلى أنظمة الذكاء الاصطناعي والصواريخ الموجهة.

وتوضح جمعية صناعة أشباه الموصلات الأمريكية (SIA) أن الرقائق أصبحت أساس الاقتصاد الرقمي العالمي، وأن أي اضطراب في إنتاجها يؤدي إلى خسائر بمليارات الدولارات في مختلف القطاعات الصناعية.

وخلال جائحة كورونا، كشف النقص العالمي في الرقائق هشاشة سلاسل الإمداد، بعدما توقفت مصانع سيارات وإلكترونيات في أوروبا والولايات المتحدة وآسيا بسبب نقص المعالجات، وهو ما أبرز الأهمية الإستراتيجية لهذه الصناعة.

كيف أصبحت تايوان القوة الأولى في الرقائق؟

بدأت تايوان منذ ثمانينيات القرن الماضي تنفيذ سياسة صناعية طويلة الأجل اعتمدت على الاستثمار في التعليم والبحث العلمي وإنشاء معاهد متخصصة مثل معهد أبحاث التكنولوجيا الصناعية (ITRI)، إلى جانب دعم حكومي مباشر لصناعة الإلكترونيات.

وفي عام 1987 تأسست شركة TSMC بقيادة المهندس موريس تشانغ، لتبتكر نموذج “المصنع المتخصص” الذي ينتج الرقائق لصالح شركات التصميم العالمية دون أن ينافسها في تطوير المنتجات.

ووفق بيانات TrendForce وTSMC، أصبحت الشركة أكبر مصنع مستقل لأشباه الموصلات في العالم، وتنتج معظم الرقائق المتقدمة المستخدمة في معالجات الهواتف الذكية، وخوادم الذكاء الاصطناعي، والحوسبة فائقة الأداء.

ويرى كريس ميلر، أستاذ التاريخ الدولي بجامعة تافتس ومؤلف كتاب “Chip War”، أن تفوق تايوان لم يكن نتيجة عامل واحد، بل جاء نتيجة تراكم عقود من الاستثمار في المعرفة والهندسة وسلاسل الإنتاج الدقيقة، مؤكدًا أن الجزيرة أصبحت “نقطة الاختناق” الأهم في النظام التكنولوجي العالمي. (المصدر: كتاب Chip War لكريس ميلر).

لماذا تخشى الولايات المتحدة فقدان تايوان؟

ترى واشنطن أن أي اضطراب في إنتاج الرقائق التايوانية سيؤثر مباشرة في الاقتصاد الأمريكي والصناعات الدفاعية.

ولهذا أقر الكونغرس الأمريكي عام 2022 قانون CHIPS and Science Act الذي خصص أكثر من 52 مليار دولار لدعم تصنيع أشباه الموصلات داخل الولايات المتحدة وتقليل الاعتماد على شرق آسيا.

وتؤكد وزارة التجارة الأمريكية أن القانون يهدف إلى إعادة بناء القدرات الصناعية الأمريكية، وتعزيز الأمن القومي، وضمان استمرار إنتاج الرقائق المستخدمة في الصناعات العسكرية والمدنية.

ويرى جود بلانت، الباحث في مؤسسة RAND والمتخصص في الأمن الآسيوي، أن قضية تايوان لم تعد مجرد نزاع جغرافي، بل أصبحت مرتبطة مباشرة بالتفوق التكنولوجي العالمي، مشيرًا إلى أن الحفاظ على الوضع القائم في مضيق تايوان يمثل مصلحة إستراتيجية للولايات المتحدة. (المصدر: مؤسسة RAND).

كيف تنظر الصين إلى معركة الرقائق؟

تعتبر بكين أن الاعتماد على التكنولوجيا الأجنبية يمثل نقطة ضعف إستراتيجية، خاصة بعد القيود الأمريكية على تصدير معدات تصنيع الرقائق المتقدمة.

ولذلك أطلقت الحكومة الصينية برنامج “صنع في الصين 2025″، وضخت مئات المليارات من اليوان لدعم شركات مثل SMIC وغيرها من الشركات المحلية.

لكن تقارير رويترز وبلومبرغ تشير إلى أن الصين ما زالت تواجه تحديات كبيرة في تصنيع الرقائق الأكثر تطورًا، خصوصًا في المعدات المستخدمة لإنتاجها.

ويرى بول تريولو، نائب الرئيس الأول لشؤون الصين والتكنولوجيا في Albright Stonebridge Group، أن الحرب التكنولوجية بين واشنطن وبكين تجاوزت المنافسة التجارية، وأصبحت جزءًا من إستراتيجية الأمن القومي لدى الطرفين، حيث تُستخدم التكنولوجيا باعتبارها أداة نفوذ جيوسياسي. (المصدر: Albright Stonebridge Group).

الدور الحاسم لشركة ASML

رغم هيمنة تايوان على التصنيع، فإن إنتاج الرقائق المتقدمة يعتمد أيضًا على معدات معقدة تنتجها شركة ASML الهولندية، التي تحتكر تقريبًا تصنيع أجهزة الطباعة الضوئية بالأشعة فوق البنفسجية القصوى (EUV).

وقد فرضت هولندا، بالتنسيق مع الولايات المتحدة، قيودًا على تصدير بعض هذه المعدات إلى الصين، ما أدى إلى إبطاء قدرة الشركات الصينية على تصنيع الرقائق الأكثر تطورًا.

وترى تقارير بلومبرغ ورويترز أن هذه المعدات أصبحت أحد أهم عناصر الصراع التكنولوجي العالمي.

شبكة التحالفات التكنولوجية

تسعى الولايات المتحدة إلى تقليل المخاطر عبر بناء شراكات مع اليابان وكوريا الجنوبية وهولندا والهند.

وترى إليزابيث بوكشان، الباحثة في مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية (CSIS)، أن واشنطن تعمل على إنشاء شبكة تكنولوجية بين الحلفاء لضمان استمرار إنتاج الرقائق حتى في حال وقوع أزمة في مضيق تايوان، وتقليل الاعتماد على مصدر واحد. (المصدر: CSIS).

ردود الفعل الدولية

رحبت الولايات المتحدة واليابان والاتحاد الأوروبي بخطط توسيع إنتاج الرقائق داخل أراضيها، معتبرة أن تنويع سلاسل الإمداد أصبح ضرورة للأمن الاقتصادي.

في المقابل، انتقدت الصين القيود الأمريكية على صادرات التكنولوجيا، ووصفتها بأنها محاولة لعرقلة التنمية الصينية، مؤكدة أنها ستواصل الاستثمار في بناء صناعة وطنية مستقلة.

أما شركات التكنولوجيا العالمية مثل Apple وNVIDIA وAMD وQualcomm، فقد كثفت جهودها لتنويع الإنتاج، من خلال دعم إنشاء مصانع جديدة في الولايات المتحدة واليابان وأوروبا، مع استمرار الاعتماد بدرجة كبيرة على مصانع TSMC.

التأثيرات الاقتصادية العالمية

يحذر خبراء المجلس الأطلسي (Atlantic Council) من أن أي تعطيل لإنتاج الرقائق في تايوان قد يؤدي إلى اضطرابات واسعة في الاقتصاد العالمي، تشمل ارتفاع أسعار الإلكترونيات، وتباطؤ إنتاج السيارات، وتأخير مشروعات الذكاء الاصطناعي، وزيادة الضغوط على سلاسل التوريد العالمية. (المصدر: Atlantic Council).

كما يرى باحثون في مجلس العلاقات الخارجية (CFR) أن الأزمة المحتملة في مضيق تايوان قد تصبح من أخطر الأزمات الاقتصادية في العصر الحديث، نظرًا لاعتماد معظم الصناعات المتقدمة على الرقائق التايوانية. (المصدر: مجلس العلاقات الخارجية CFR).

التوقعات المستقبلية

يتوقع معظم الخبراء أن تستمر المنافسة الأمريكية الصينية في قطاع أشباه الموصلات خلال السنوات المقبلة، مع تصاعد الاستثمارات في بناء مصانع جديدة داخل الولايات المتحدة واليابان وأوروبا، وفي المقابل مواصلة الصين تطوير قدراتها المحلية رغم القيود المفروضة عليها.

ويرى كريس ميلر أن السباق لن يُحسم بامتلاك المصانع وحدها، بل بالقدرة على الابتكار والسيطرة على المعرفة العلمية والمعدات المتقدمة وسلاسل التوريد.

بينما يؤكد بول تريولو أن العالم يتجه نحو نظام تكنولوجي أكثر انقسامًا، حيث ستسعى كل قوة كبرى إلى بناء منظومة مستقلة في مجالات الرقائق والذكاء الاصطناعي والحوسبة المتقدمة.

أصبحت تايوان اليوم أكثر من مجرد جزيرة محل نزاع سياسي؛ فهي القلب النابض لصناعة أشباه الموصلات العالمية، والعقدة الأكثر حساسية في سلاسل الإمداد التكنولوجية. وبينما تسعى الولايات المتحدة إلى تقليل اعتمادها على إنتاج الجزيرة عبر الاستثمار المحلي وبناء تحالفات صناعية، تعمل الصين على تحقيق الاكتفاء الذاتي ومواجهة القيود الغربية.

وفي ظل هذا التنافس، تبدو “حرب الرقائق” مرشحة لأن تكون أحد أهم ميادين الصراع الدولي خلال العقود المقبلة، ليس فقط لأنها تحدد مستقبل التكنولوجيا، بل لأنها تؤثر أيضًا في الاقتصاد العالمي والأمن القومي وموازين القوة بين الدول.

اترك تعليقا