«قناة بنما» تعود إلى قلب المنافسة العالمية

كيف تحولت القناة إلى محور للصراع على التجارة العالمية

لم تعد الممرات البحرية مجرد طرق لعبور السفن، بل تحولت إلى أوراق نفوذ تحدد موازين القوة الاقتصادية والجيوسياسية في العالم، وفي قلب هذا المشهد تبرز قناة بنما، أحد أهم الشرايين التجارية العالمية، التي عادت إلى واجهة التنافس بين الولايات المتحدة والصين مع تصاعد الصراع على سلاسل الإمداد والبنية التحتية الاستراتيجية.

وبينما تسعى بكين إلى توسيع حضورها الاقتصادي في أمريكا اللاتينية، تعمل واشنطن على حماية نفوذها في ممر يعد من أكثر النقاط حساسية في التجارة الدولية، لتتحول القناة من معبر مائي إلى ساحة تنافس بين أكبر اقتصادين في العالم.

صراع النفوذ.. لماذا عادت قناة بنما إلى الواجهة؟

أعادت التحولات الجيوسياسية خلال السنوات الأخيرة «قناة بنما» إلى صدارة المنافسة بين “الولايات المتحدة” و”الصين”، بعدما أصبحت الممرات البحرية عنصرًا حاسمًا في معادلة التجارة العالمية وأمن سلاسل الإمداد، فالقناة التي يمر عبرها نحو 5% من التجارة البحرية العالمية، تمثل شريانًا استراتيجيًا يربط بين المحيطين الأطلسي والهادئ، كما تؤدي دورًا محوريًا في حركة التجارة الأمريكية، خاصة مع آسيا والساحل الشرقي للأميركتين.

ومنذ انضمام “بنما” إلى “مبادرة الحزام والطريق” عام 2017، توسع الحضور الاقتصادي الصيني عبر استثمارات في الموانئ والخدمات اللوجستية والبنية التحتية، ما دفع “واشنطن” إلى تكثيف اهتمامها بالقناة باعتبارها مرفقًا ذا أهمية استراتيجية، رغم انتقال إدارتها رسميًا إلى “بنما” عام 1999 بموجب «معاهدات توريخوس–كارتر».

استثمارات صينية.. وهواجس أمريكية..

تشير دراسات “مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية” (CSIS)، إلى أن “الصين” لا تسعى إلى السيطرة المباشرة على “قناة بنما”، بل إلى تعزيز نفوذها الاقتصادي من خلال الاستثمار في الموانئ والخدمات البحرية والبنية التحتية المرتبطة بالقناة، ويرى “رايان بيرغ”، (مدير برنامج الأمريكتين بالمركز)، أن “واشنطن” باتت تنظر إلى هذه الاستثمارات من زاوية الأمن الإستراتيجي إلى جانب بعدها الاقتصادي، في ظل تصاعد المنافسة مع “بكين”.

كما يؤكد “إيفان إيليس”، (أستاذ دراسات أمريكا اللاتينية في الكلية الحربية للجيش الأمريكي)، أن “الصين” تعتمد على أدوات اقتصادية وتجارية طويلة الأجل لتعزيز حضورها الإقليمي، بينما ترفض “بكين” الاتهامات الغربية بأن استثماراتها تحمل أهدافًا عسكرية، مؤكدة أن “مبادرة الحزام والطريق” تستهدف تعزيز الترابط التجاري والتنمية الاقتصادية.

ممر تجاري أم ساحة تنافس جيوسياسي؟

بالتوازي مع تنامي الحضور الصيني، عززت “الولايات المتحدة” تعاونها مع “بنما” في مجالات الأمن البحري وحماية البنية التحتية ومكافحة الجريمة المنظمة، إلى جانب دعم مبادرات استثمارية دولية مثل “الشراكة من أجل البنية التحتية والاستثمار العالمي”، ويرى الدبلوماسي البنمي السابق “أرتورو ماكنفيلد”، أن بلاده تواجه تحديًا يتمثل في تحقيق توازن بين الاستفادة من الاستثمارات الصينية والحفاظ على شراكتها الإستراتيجية مع “الولايات المتحدة”.

كما تشير تحليلات “مجلس العلاقات الخارجية”، إلى أن أهمية «قناة بنما» مرشحة للارتفاع مع إعادة تشكيل سلاسل الإمداد العالمية، بينما يتفق خبراء على أن التنافس حولها سيظل يدور عبر الاستثمار والتكنولوجيا وإدارة الموانئ والدبلوماسية الاقتصادية، لا عبر مواجهة مباشرة، لتبقى القناة إحدى أكثر النقاط حساسية في خريطة التجارة العالمية.

اترك تعليقا