البنوك المركزية تعود لشراء الذهب بقوة

بولندا والصين تقودان موجة التحوط ضد تقلبات الدولار

الرائد: في مؤشر واضح على أن المعدن الأصفر لم يفقد بريقه كأداة استراتيجية للتحوط وحفظ القيمة، عادت البنوك المركزية إلى زيادة مشترياتها من الذهب خلال شهر مايو الماضي. وتأتي هذه الخطوة لتؤكد أن توقعات الفائدة الأمريكية وتراجع زخم الأسعار تحت ضغط الدولار القوي، لم ينجحا في إزاحة الذهب عن عرشه كأحد أهم الأصول الاحتياطية لدى المؤسسات النقدية العالمية.

تفاصيل القفزة الشرائية وأبرز المتسوقين
وفق أحدث البيانات المعلنة التي جمعها مجلس الذهب العالمي من صندوق النقد الدولي والبنوك المركزية حتى نهاية يونيو 2026، زاد صافي احتياطيات الذهب لدى البنوك المركزية بنحو 41 طناً خلال شهر مايو وحده. وتركزت المشتريات مجدداً بين مجموعة مألوفة من المشترين الذين يتصدرون المشهد منذ سنوات، في مقدمتهم بولندا والصين وأوزبكستان وكازاخستان.

وأظهرت البيانات أن البنك المركزي البولندي قد اشترى 18 طناً في مايو، ليرفع حصيلته منذ بداية العام إلى 64 طناً. وقد رفعت تعاملات شهر مايو حيازة بولندا من الذهب إلى 614 طناً، لتقترب بذلك بشكل كبير من هدفها الاستراتيجي البالغ 700 طن. في الوقت ذاته، أضاف البنك المركزي الصيني 10 أطنان إلى احتياطياته، مسجلاً أعلى زيادة شهرية منذ ديسمبر 2024، ومواصلاً بذلك سياسة الشراء للشهر العشرين على التوالي في إطار خططه الطويلة لتنويع الاحتياطيات.

وعلى صعيد المشترين الآخرين، أضاف البنك المركزي الأوزبكستاني 9 أطنان من الذهب إلى حيازاته في مايو، لترتفع مشترياته منذ بداية العام إلى 33 طناً، بينما اشترت كازاخستان 7 أطنان. كما عادت سنغافورة إلى قائمة المشترين للمرة الأولى منذ سبتمبر 2025، مضيفة 4 أطنان، فيما اشترى البنكان المركزيان في التشيك والأردن طنين وطناً واحداً على التوالي. في المقابل، واصلت كل من روسيا وتركيا سياسة البيع، بخروج 6 أطنان و3 أطنان على التوالي خلال الشهر.

ترقب السوق وتأثر الذهب ببيانات الوظائف الأمريكية
شكلت مشتريات البنوك المركزية أحد أهم عوامل الدعم للمعدن النفيس هذا العام، رغم تعرضه لضغوط أدت إلى تراجع زخمه تحت تأثير ارتفاع الدولار وتوقعات المستثمرين بأن يؤدي استمرار التضخم في الولايات المتحدة إلى زيادة في معدلات الفائدة، وهو ما يقلل من جاذبية الذهب الذي لا يدر عائداً على حامليه.

لكن المعدن الأصفر نجح في تقليص بعض خسائره في نهاية الأسبوع الماضي، محققاً أول ارتفاع أسبوعي في خمسة أسابيع، بعدما أضعفت بيانات الوظائف الأمريكية الصادرة مؤخراً توقعات رفع الفائدة هذا العام، مما أعاد بعضاً من الزخم الإيجابي للأسواق الناشئة والسلع الأساسية.

عصر ما بعد هيمنة الدولار
لفهم دوافع هذه المشتريات القياسية، لا بد من العودة إلى التحول الجيوسياسي والاقتصادي الذي أعقب عام 2022. فقرار الولايات المتحدة وحلفائها بتجميد مئات المليارات من احتياطيات البنك المركزي الروسي، أرسل موجة صدمة عبر العواصم العالمية. وأدركت الدول حينها أن الاحتفاظ بالاحتياطيات بالعملات الورقية يحمل مخاطر سيادية وسياسية. ومنذ ذلك الحين، تسارعت وتيرة ما يُعرف بإزالة الدولرة، حيث بدأت البنوك المركزية، خاصة في الأسواق الناشئة، في تحويل احتياطياتها إلى الذهب لكونه الأصل الوحيد الذي لا يحمل مخاطر الطرف المقابل، ولا يمكن تجميده أو مصادرته من قبل قوة خارجية.

تعليقات المحللين والخبراء
وفي تحليله لهذه المعطيات، يشير مجلس الذهب العالمي في تقاريره الدورية إلى أن البنوك المركزية لم تعد تشتري الذهب لمجرد التنويع التقليدي، بل كجزء من إعادة هيكلة جيوسياسية للنظام النقدي الدولي. وتؤكد لويز ستريت، كبيرة استراتيجيي الأسواق في مجلس الذهب العالمي، أن الطلب السيادي يظل العمود الفقري لسوق الذهب، حيث توفر البنوك المركزية أرضية سعرية قوية للمعدن تمنعه من الانهيار حتى في أوقات قوة الدولار.

من جانبه، يوضح محللو مؤسسة جولدمان ساكس أن استمرار الصين في الشراء للشهر العشرين على التوالي يعكس قناعة صينية راسخة بضرورة تأمين احتياطياتها الاستراتيجية بعيداً عن التقلبات الجيوسياسية، خاصة في ظل التوترات المستمرة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.

توقعات مستقبلية
وبالنظر إلى المستقبل، تشير التوقعات إلى عدة مسارات رئيسية لسوق الذهب. أولاً، من المرجح أن تظل مشتريات البنوك المركزية مرتفعة طوال عام 2026، حيث أن بولندا تقترب من هدفها وقد تحذو دول أوروبية أخرى حذوها، بينما تواصل الصين وأوزبكستان تعزيز احتياطياتهما.

ثانياً، على صعيد الأسعار، يُتوقع أن يواجه الذهب تقلبات قصيرة الأمد مرتبطة بقرارات الفيدرالي الأمريكي، لكن السقف النزولي للسعر أصبح محمياً بقوة بفعل الشراء السيادي المستمر.

ثالثاً، من المتوقع أن تشهد الأشهر القادمة انضمام بنوك مركزية جديدة في أمريكا اللاتينية وجنوب شرق آسيا إلى قائمة المشترين، كخطوة وقائية ضد أي صدمات تضخمية أو جيوسياسية محتملة.

ختاماً، تعكس أرقام مايو أن الذهب لم يعد مجرد ملاذ آمن في أوقات الأزمات فحسب، بل أصبح أداة يومية نشطة تستخدمها الدول لإعادة توازن محافظها الاحتياطية في عالم يتسم بالتشرذم النقدي والجيوسياسي.

المصادر:
1. مجلس الذهب العالمي، تقرير اتجاهات الطلب على الذهب والاحتياطيات المركزية، بيانات يونيو 2026.
2. بيانات صندوق النقد الدولي حول احتياطيات العملات والمعادن الثمينة للدول الأعضاء.
3. البيانات الرسمية الصادرة عن البنك المركزي البولندي والبنك الشعبي الصيني حول تحديثات الاحتياطيات.
4. تقارير مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي حول بيانات الوظائف والتضخم وتأثيرها على الأسواق.
5. تحليلات مؤسسة جولدمان ساكس حول اتجاهات إزالة الدولرة والطلب السيادي على الذهب.
6. وكالة بلومبرغ ورويترز، تغطية أسواق السلع الأساسية وتحركات البنوك المركزية.

اترك تعليقا