إلزام الإريتريين بإيداع مدخراتهم في البنوك.. إصلاح اقتصادي أم مؤشر إفلاس؟

مخاوف المواطنن علي مدخراتهم تتصاعد

 الرائد : أصدر البنك المركزي الإريتري تعليمات تُلزم المواطنين بفتح حسابات مصرفية وإيداع أموالهم ومدخراتهم داخل الجهاز المصرفي، في خطوة وصفتها الحكومة بأنها جزء من خطة لإصلاح النظام المالي وتعزيز التعاملات الرسمية وتقليل الاعتماد على النقد خارج البنوك.

إلا أن القرار أثار مخاوف واسعة بين المواطنين والمراقبين، خاصة في ظل الطبيعة المركزية للنظام السياسي والاقتصادي في البلاد، وضعف الثقة في المؤسسات المالية.
ويأتي القرار في وقت يواجه فيه الاقتصاد الإريتري تحديات كبيرة، أبرزها ضعف الإنتاج، ومحدودية الاستثمار الأجنبي، والعقوبات والقيود الاقتصادية التي واجهتها البلاد خلال السنوات الماضية، إضافة إلى آثار مشاركتها في الصراعات الإقليمية، وارتفاع معدلات الهجرة، وتراجع تحويلات بعض المغتربين نتيجة الظروف الاقتصادية العالمية.

إصلاح  القطاع المصرفي

وفي هذا السياق رأي  خبراء اقتصاديون أن الحكومة تسعى من خلال القرار إلى توسيع قاعدة المتعاملين مع البنوك، وإدخال الأموال المتداولة خارج النظام المصرفي إلى الدورة الاقتصادية الرسمية. فوجود كميات كبيرة من السيولة خارج البنوك يقلل من قدرة الدولة على إدارة السياسة النقدية، ويضعف قدرة المصارف على تقديم التمويل للمشروعات أو دعم النشاط الاقتصادي.

كما يهدف القرار، وفق التفسير الرسمي، إلى مكافحة الاقتصاد غير الرسمي والحد من عمليات التهرب الضريبي وغسل الأموال، فضلاً عن تسهيل صرف الرواتب والتحويلات والخدمات الحكومية عبر الحسابات المصرفية بدلاً من التعامل النقدي المباشر.
لكن في المقابل، يرى منتقدو القرار أن توقيته وطبيعته الإلزامية يعكسان وجود أزمة سيولة حقيقية داخل الجهاز المصرفي، وأن الحكومة تحاول جمع أكبر قدر ممكن من الأموال المحلية لتعويض نقص الموارد المالية. ويستند هذا الرأي إلى أن الاقتصاد الإريتري يعتمد بصورة كبيرة على الدولة، بينما يعاني القطاع الخاص من محدودية النشاط، الأمر الذي يجعل مصادر النقد الأجنبي والسيولة محدودة

مؤشر علي الإفلاس

ومع هذا ، فإن مجرد إلزام المواطنين بإيداع مدخراتهم في البنوك لا يعني بالضرورة أن إريتريا أصبحت على وشك الإفلاس. فالإفلاس بمفهومه الاقتصادي يرتبط بعدم قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها المالية وسداد ديونها، بينما لا تتوافر حتى الآن مؤشرات قاطعة تؤكد وصول البلاد إلى هذه المرحلة. إلا أن القرار قد يكون مؤشراً على ضغوط مالية متزايدة وحاجة الحكومة إلى إحكام إدارة الموارد النقدية المتاحة.
ويعتقد بعض المحللين أن للقرار بعداً سياسياً وأمنياً إلى جانب أبعاده الاقتصادية، إذ يمنح السلطات قدرة أكبر على مراقبة حركة الأموال داخل البلاد، ومعرفة مصادر الدخل والإنفاق، وتقليص التعاملات المالية غير الرسمية. كما يسمح للدولة بالتحكم بصورة أكبر في عمليات السحب والإيداع إذا اقتضت الظروف الاقتصادية ذلك.
وتزداد المخاوف الشعبية بسبب ضعف الثقة بين المواطنين والمؤسسات الحكومية، إذ يخشى كثيرون من فرض قيود مستقبلية على السحب أو استخدام الودائع لتمويل احتياجات الدولة، خاصة في ظل محدودية الشفافية بشأن أوضاع المالية العامة والاحتياطيات النقدية

توفير الخدمات المصرفية

أما على المستوى الاقتصادي، فإن نجاح القرار يتوقف على قدرة الحكومة على توفير خدمات مصرفية فعالة وآمنة، وضمان حرية المواطنين في التصرف في أموالهم دون قيود غير مبررة. ففي حال افتقد المواطنون لهذه الضمانات، قد يؤدي القرار إلى نتائج عكسية، مثل لجوء البعض إلى الاحتفاظ بأموالهم بطرق غير رسمية أو تحويلها إلى عملات أجنبية أو أصول أخرى يصعب تتبعها.
وفيما يتعلق باستجابة المواطنين، فمن المرجح أن تشهد المرحلة الأولى التزاماً واسعاً نسبياً، ليس بالضرورة اقتناعاً بالقرار، وإنما بسبب طبيعة النظام السياسي في إريتريا، الذي يتميز بقدرة الدولة على فرض القرارات الإدارية.

إلا أن الالتزام الشكلي لا يعني نجاح السياسة على المدى الطويل، إذ سيظل مستوى الثقة هو العامل الحاسم في استمرار المواطنين في استخدام النظام المصرفي. > عبدالرحمن: ومن المحتمل أيضاً أن يحاول بعض الإريتريين تقليل حجم الأموال المودعة داخل البنوك، أو الاحتفاظ بجزء من مدخراتهم في صورة ذهب أو عملات أجنبية أو من خلال أقاربهم في الخارج، إذا شعروا بأن ودائعهم قد تصبح عرضة لقيود حكومية مستقبلية.
وفي حال نجحت الحكومة في توظيف هذه الودائع لتحفيز الاستثمار وتحسين الخدمات المصرفية وتعزيز الاستقرار النقدي، فقد يحقق القرار بعض المكاسب الاقتصادية على المدى المتوسط. أما إذا اقتصر الهدف على توفير السيولة للدولة دون إصلاحات اقتصادية أوسع، فقد يؤدي إلى تراجع الثقة وزيادة الضغوط على الاقتصاد.
ومن المهم التأكيدهنا لا يمكن اعتبار القرار دليلاً قاطعاً على اقتراب إريتريا من الإفلاس، لكنه يعكس بلا شك وجود ضغوط اقتصادية ورغبة حكومية في إحكام السيطرة على الدورة النقدية. كما يجمع القرار بين أهداف اقتصادية، مثل تعزيز الشمول المالي وزيادة السيولة داخل البنوك، وأهداف رقابية تتعلق بمتابعة حركة الأموال.

وسيظل نجاحه أو فشله مرهوناً بمدى قدرة الحكومة على بناء الثقة مع المواطنين، وتحويل هذه الخطوة إلى جزء من إصلاح اقتصادي شامل، بدلاً من أن تُفسر باعتبارها مجرد وسيلة للسيطرة على مدخرات الإريتريين في ظل ظروف اقتصادية صعبة.

 

 

 

 

 

اترك تعليقا