الممر الصيني الباكستاني بين الاستراتيجية والتحديات الأمنية
الممر يمر اليوم بمرحلة مخاض حاسمة
- السيد التيجاني
- 10 يوليو، 2026
- اقتصاد الرائد, تقارير وترجمات
- الحزام والطريق, الصين, الممرات البحرية, باكستان, بكين, واشنطن
أعاد ممر الصين الاقتصادي الباكستاني (CPEC)، منذ إطلاقه رسميًا في عام 2015، صياغة قواعد اللعبة الجيوسياسية في منطقة جنوب آسيا والمحيطين الهندي والهادئ. المشروع الذي بدأ كحلقة وصل استراتيجية ضمن مبادرة الحزام والطريق الصينية، باستثمارات تجاوزت 60 مليار دولار وفقًا للأرقام الرسمية الصادرة عن وزارة التخطيط والتطوير الباكستانية، تحول بمرور الوقت من شبكة أنابيب وطرق برية ومحطات طاقة إلى ساحة مكشوفة للتنافس الاستراتيجي المحموم بين بكين وواشنطن وحلفائهما الإقليميين. إن قراءة المشهد الراهن للممر تتطلب تفكيك أبعاده الأمنية والاقتصادية والسياسية من خلال تتبع التحولات العميقة التي طرأت على مواقف الأطراف الفاعلة واستقراء مآلاته المستقبلية.
لقد مثل الممر منذ لحظاته الأولى قفزة نوعية في العقيدة الاستراتيجية الصينية القائمة على التمدد الاقتصادي الهادئ، وتأمين خطوط الإمداد الحيوية. فالوصول المباشر إلى المياه الدافئة في بحر العرب عبر ميناء جوادر الاستراتيجي في إقليم بلوشستان، يمنح بكين ميزة استراتيجية هائلة تتجاوز مجرد خفض تكاليف الشحن والوقت المتطلب لنقل البضائع والنفط. إن المقاربة الصينية للممر تنطلق من رغبة حثيثة في كسر الاعتماد شبه الكامل على الممرات البحرية التقليدية، لاسيما مضيق ملقا الذي يشكل ثغرة استراتيجية تخشى الصين إغلاقها في أي مواجهة بحرية مستقبلية مع الولايات المتحدة أو حلفائها في المحيط الهادئ.
العلاقات الصينية الباكستانية من منظور “أندرو سمول”
يشير أندرو سمول، الباحث البارز في صندوق مارشال الألماني (GMF) ومؤلف كتاب The China-Pakistan Axis، إلى أن العلاقات الصينية الباكستانية قد قطعت شوطًا طويلاً تجاوزت فيه منذ سنوات إطار التعاون العسكري والتقني التقليدي الذي ميز العقود الماضية. ووفقًا لسمول، فإن هذه العلاقات تحولت إلى شراكة استراتيجية شاملة وعميقة، يشكل ممر CPEC عمودها الفقري والصلب.
ويرى سمول أن الأهمية الحقيقية للمشروع بالنسبة لصناع القرار في بكين لا تكمن فقط في العوائد الاقتصادية المباشرة أو الأرقام التجارية التنافسية، بل تتبلور في أبعاد سياسية وأمنية بالغة الحساسية.
ويوضح سمول في أطروحاته أن الصين تنظر إلى الممر باعتباره أداة حاسمة لتعزيز الاستقرار على حدودها الغربية، وتحديدًا في إقليم شينجيانغ المضطرب، من خلال ربط الاقتصاد الغربي الصيني الراكد نسبيًا بالديناميكية الاقتصادية للمحيط الهندي.
هذا الربط، حسب سمول، يخلق واقعًا جيوسياسيًا جديدًا يثبت أقدام الصين في عمق جنوب آسيا، ويجعل من باكستان حليفًا عضويًا لا يمكن الاستغناء عنه في أي معادلة توازن قوى مستقبلية في المنطقة، مما يعني أن بكين مستعدة لتحمل كلفة سياسية واقتصادية عالية لحماية هذا الممر من الانهيار.
البنية التحتية كأداة نفوذ سياسي: مقاربة “جوناثان هيلمان”
في مقابل القراءة الاستراتيجية الصينية، يقدم جوناثان هيلمان، الباحث في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)، رؤية نقدية تركز على آليات توظيف البنية التحتية الصلبة كأداة للنفوذ الاقتصادي والسياسي. ووفقًا لهيلمان، فإن الممر الاقتصادي يمثل نموذجًا مثاليًا للأسلوب الصيني في مد النفوذ عبر الاستثمار في الأصول الاستراتيجية للدول النامية، حيث تتحول شبكات النقل والموانئ إلى أدوات ضغط سياسي غير مباشرة تمنح بكين مقعدًا دائمًا في مراكز صنع القرار بالدول المضيفة.
ومع ذلك، يلفت هيلمان الانتباه إلى أن نجاح هذه المشروعات الضخمة واستدامتها ليس مضمونًا بشكل حتمي، بل يعتمد على شروط هيكلية صارمة، في مقدمتها الاستقرار الأمني الشامل، والقدرة العالية للدول المضيفة على إدارة الديون السيادية المتراكمة دون السقوط في معضلة العجز عن السداد. ويؤكد هيلمان أن غياب الشفافية في العقود المبرمة وتحميل الدول أعباء مالية تفوق قدرتها على الإنتاج وتحقيق عوائد اقتصادية ملموسة للمجتمعات المحلية، قد يحول هذه المشاريع الاستراتيجية من روافع تنموية إلى بؤر للتوتر السياسي والاجتماعي.
المعضلة الأمنية في بلوشستان: تحليل “عبد الباسط” للجذور التنموية
لا يمكن مناقشة مستقبل الممر دون الاصطدام بالتحديات الأمنية المتكررة التي واجهته على الأرض، لاسيما في إقليم بلوشستان الشاسع والمضطرب. فقد شهدت السنوات الماضية تصاعدًا ملحوظًا في الهجمات المسلحة التي شنتها جماعات انفصالية بلوشية استهدفت بشكل مباشر المواقع الإنشائية، والقوافل، والمهندسين والعمال الصينيين.
هذه الهجمات أثارت قلقًا عميقًا في بكين ودعمت الشكوك حول قدرة إسلام آباد على توفير بيئة آمنة للاستثمارات المليارية.
وفي هذا السياق، يؤكد عبد الباسط، الباحث في كلية إس. راجاراتنام للدراسات الدولية (RSIS) في سنغافورة، من خلال دراسات متعددة، أن الاستهداف المستمر للمصالح الصينية لا يمكن اختزاله في مجرد قضايا أمنية تقليدية أو عمليات إرهابية معزولة.
ووفقًا لعبد الباسط، فإن هذه الهجمات تعكس تعقيدات داخلية عميقة ترتبط بملفات التنمية المحلية وتوزيع عوائد المشروعات؛ إذ تشعر النخب والمجتمعات المحلية في بلوشستان بالتهميش الاقتصادي، وترى أن ثروات إقليمهم وموقع ميناء جوادر يتم استغلالهما لصالح المركز السياسي في إقليم البنجاب والشركات الصينية، دون أن ينعكس ذلك إيجابًا على واقعهم المعيشي والخدمي.
المنظور الأمريكي الجديد: “دانيال ماركي” وتحول العقيدة الدبلوماسية
من الجانب الأمريكي، حظي التوسع الاستثماري الصيني في باكستان بمتابعة دقيقة وقلق متزايد في أروقة صنع القرار بواشنطن. فالولايات المتحدة ترى أن سيطرة الصين على الموانئ وشبكات النقل في بحر العرب تعيد رسم موازين النفوذ البحري والبري في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
وصرح مسؤولون أمريكيون في مناسبات عدة بأن واشنطن لا تعارض التنمية، لكنها تدعو إلى مشروعات تتسم بالشفافية الكاملة والاستدامة المالية، محذرة من تداعيات ما تصفه بـ “دبلوماسية فخ الديون”.
ويوضح دانيال ماركي، الباحث في جامعة جونز هوبكنز ومؤلف كتاب No Exit from Pakistan، أن الولايات المتحدة أحدثت تحولاً جوهريًا في عقيدتها الدبلوماسية تجاه إسلام آباد؛ حيث أصبحت تنظر إلى باكستان من منظور أوسع وأشمل يرتبط مباشرة بالمنافسة الاستراتيجية الكبرى مع الصين.
ووفقًا لماركي، فإن العقود الفائتة شهدت حصر النظرة الأمريكية لباكستان في ملفات مكافحة الإرهاب، والتعاون الاستخباري، والأزمة الأفغانية، أما اليوم، فقد أصبحت باكستان في عيون واشنطن جبهة أمامية في الصراع الدولي لتقييد التمدد الصيني، مما يجعل الهامش المناور لباكستان يضيق بشكل مستمر.
واقعية بكين وحسابات الشريك الاستراتيجي: قراءة “يون صن”
رغم التحديات الضخمة والضغوط الدولية، تظل بكين متمسكة بتحالفها مع إسلام آباد، وإن كانت هذه الصلابة قد بدأت تكتسي بمسحة من الواقعية الحذرة. وتؤكد يون صن، الباحثة في مركز ستيمسون بواشنطن والمتخصصة في السياسة الخارجية الصينية، أن القيادة في بكين ما زالت تنظر إلى باكستان باعتبارها شريكًا استراتيجيًا وجيوسياسيًا لا يمكن الاستغناء عنه أو تعويضه في المنطقة.
ومع ذلك، تشير يون صن إلى أن بكين لم تعد تغض الطرف عن الإخفاقات الهيكلية في باكستان؛ حيث باتت تدرك بعمق أن استمرار نجاح الممر وتأمين الاستثمارات المستقبلية يتطلبان حسمًا حقيقيًا للتحديات الأمنية على الأرض، وتحسينًا جذريًا لكفاءة المشروعات الاستثمارية وإدارتها المالية.
ووفقًا لتقديراتها، فإن الصين تضغط باتجاه إصلاحات اقتصادية باكستانية داخلية كشرط مسبق لضخ مزيد من الأموال في المراحل المتقدمة للممر، لتجنب تحول المشروع إلى ثقب أسود يستنزف الموارد الصينية دون تحقيق الأهداف الاستراتيجية المرجوة.
اللعب على الحبلين: “مايكل كوغلمان” ومعادلة التوازن الباكستاني المعقدة
تجد باكستان نفسها في موقف لا تحسد عليه، وهي تحاول موازنة علاقاتها بين القوتين العظميين. ويرى مايكل كوغلمان، الخبير البارز في شؤون جنوب آسيا ومدير معهد جنوب آسيا في مركز ويلسون سابقًا، أن إسلام آباد تبذل جهودًا مضنية للاستفادة القصوى من علاقاتها مع كل من واشنطن وبكين في آن واحد، محاولةً تجنب الانحياز الكامل الذي قد يكلفها الكثير.
إلا أن كوغلمان يستدرك مؤكدًا أن حجم وعمق الاستثمارات الصينية الضخمة في البنية التحتية قد جعل بكين الشريك الاقتصادي والتمويلي الأكثر تأثيرًا وهيمنة على الساحة الباكستانية، مما يمنحها ثقلاً سياسيًا غير مسبوق.
وفي الوقت نفسه، يوضح كوغلمان أن الولايات المتحدة لا تزال تحتفظ بأوراق ضغط وأدوار حيوية لا يمكن لباكستان إغفالها، خاصة في مجالات التعاون والتنسيق الأمني، والوصول إلى الأسواق الغربية، والدعم المالي الحاسم عبر المؤسسات الدولية مثل صندوق النقد الدولي، وهو ما يفرض على باكستان السير على حبل مشدود بدقة متناهية.
التحول الهيكلي نحو (CPEC\ 2.0): من الهياكل الصلبة إلى عضلات التصنيع
وفقًا للتحليلات الاستراتيجية الصادرة عن معهد الولايات المتحدة للسلام (USIP) والمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS)، فإن الممر الاقتصادي يتأهب لقفزة نوعية جديدة من خلال الانتقال إلى مرحلته الثانية والمطورة، والتي يُطلق عليها في الأروقة الرسمية مرحلة الترقية والاستدامة (CPEC\ 2.0).
فبينما ركزت المرحلة الأولى بشكل شبه كامل على “الهياكل الأساسية الصلبة” مثل مد الطرق وإنشاء محطات الطاقة التقليدية، تتجه المرحلة الجديدة نحو قطاعات أكثر حيوية وتأثيرًا على المدى الطويل.
تستهدف المرحلة الحالية تفعيل المناطق الاقتصادية الخاصة (SEZs)، ودعم الميكنة الزراعية، والتحول الرقمي الشامل، وجذب الاستثمارات في قطاعات التكنولوجيا المتطورة والذكاء الاصطناعي.
وتشير أحدث البيانات الصادرة عن الأمانة العامة للممر إلى أن الصين ضخت بالفعل حوالي 26 مليار دولار كاستثمارات مباشرة متحصلة في مشاريع الطاقة والنقل، مما أسهم في إضافة أكثر من 9,500 ميجاوات لشبكة الكهرباء الباكستانية الوطنية.
وتسعى الخطة المحدثة لعام 2030 إلى توطين صناعات متقدمة بالكامل في باكستان، مثل بطاريات الليثيوم والسيارات الكهربائية بالتعاون مع شركات صينية عملاقة مثل (BYD)، بالإضافة إلى المضي قدمًا في مشروع تحديث خط السكك الحديدية الرئيسي (ML-1) بتكلفة تقديرية تصل إلى 7 مليارات دولار، وهو ما يمثل نقلة نوعية في قدرات الشحن البري الإقليمي.
التوقعات المستقبلية
بناءً على المعطيات الميدانية والتحليلات السياسية المتقاطعة، يضع خبراء الاقتصاد الدولي وجيوبوليتيكس المنطقة ثلاثة سيناريوهات رئيسية محتملة لمستقبل الممر الاقتصادي الباكستاني، وهي السيناريوهات التي ستحدد شكل الاستقرار ونفوذ القوى العظمى في جنوب آسيا:
السيناريو الأول: التحول الصناعي والاندماج الناجح (السيناريو المتفائل)
يقوم هذا السيناريو على نجاح الحكومة الباكستانية، بدعم صيني مكثف، في فرض الاستقرار الأمني الكامل في إقليم بلوشستان ومناطق الممر، بالتوازي مع تطبيق إصلاحات تشريعية واقتصادية جاذبة للاستثمار الخاص. في هذا المسار، تنجح المناطق الاقتصادية الخاصة في استقطاب خطوط الإنتاج والمصانع الصينية التي تسعى للهرب من ارتفاع تكاليف العمالة داخل الصين. ويتحول الممر هنا إلى محرك حقيقي للنمو المستدام، ويرتفع معدل الصادرات الباكستانية، وتتمكن إسلام آباد من سداد ديونها السيادية باريحية، ليصبح المشروع نموذجًا يحتذى به للتكامل الإقليمي عبر القارات.
السيناريو الثاني: المراوحة والتباطؤ الهيكلي (السيناريو الواقعي)
يعد هذا السيناريو الأكثر ترجيحًا في ظل المعطيات الراهنة؛ حيث يستمر العمل في المشاريع الحيوية والاستراتيجية (مثل ميناء جوادر وخط السكك الحديدية ML-1)، ولكن بنسق متباطئ ومتعثر نتيجة البيروقراطية الباكستانية المتجذرة، وعدم استقرار سعر الصرف، والتوترات السياسية الداخلية المستمرة. ووفقًا لهذا المسار، تظل بكين ملتزمة بالممر لحماية أصولها وجدارها الاستراتيجي، ولكنها تتبنى سياسة تمويلية بالغة التحفظ والحذر، مع التركيز على حماية أمن مواطنيها وتقليص القروض الحكومية المباشرة، مما يبقي الاقتصاد الباكستاني تحت ضغوط معيشية ومالية مستمرة دون حدوث الطفرة الصناعية المأمولة.
السيناريو الثالث: الانفجار الأمني وتراجع الشريك (السيناريو المتشائم)
يرتكز هذا السيناريو المخيف على فرضية تصاعد وتيرة العمليات المسلحة والانتحارية التي تستهدف الوجود الصيني في باكستان بشكل غير مسبوق، وعجز الأجهزة الأمنية عن توفير الحماية الفعالة، بالتزامن مع تفاقم أزمة الديون السيادية ووصول البلاد إلى حافة الإفلاس المالي. في هذه الحالة، قد تصل القيادة الصينية إلى قناعة بأن الكلفة الأمنية والسياسية للمشروع تجاوزت عوائده الاستراتيجية، مما يدفعها إلى تجميد الاستثمارات الجديدة بشكل شبه كامل، وتوجيه بوصلتها ومواردها نحو ممرات برية بديلة وأكثر أمانًا في آسيا الوسطى وروسيا، وهو ما سيترك باكستان وحيدة في مواجهة عبء ديون هائل وأزمة اقتصادية واجتماعية طاحنة قد تعصف باستقرارها الداخلي.
استنتاجات: التمويل وحده لا يصنع الاستدامة
في الختام، يجمع معظم الخبراء والمحللين في المؤسسات الدولية، مثل البنك الدولي وصحيفة فايننشال تايمز، على أن مستقبل ممر الصين الاقتصادي الباكستاني (CPEC) لن يتوقف على حجم التمويل والتدفقات النقدية القادمة من بكين وحدها، بل يرتكز بالدرجة الأولى على قدرة باكستان الذاتية على تحقيق الاستقرار الأمني المستدام، وإصلاح هيكل اقتصادها المأزوم، وتحويل تلك الاستثمارات الضخمة في البنية التحتية الصلبة إلى قاطرة حقيقية للنمو والإنتاج والتصدير.
إن الممر يمر اليوم بمرحلة مخاض حاسمة؛ فإما أن تنجح إسلام آباد وبكين في تجاوز العقبات الأمنية والمالية وتفنيد مخاوف الخصوم عبر تقديم نموذج تنموي شفاف وشامل يستوعب حقوق المجتمعات المحلية، وإما أن يتحول هذا المشروع الطموح إلى ضحية جديدة من ضحايا التنافس الجيوسياسي العنيف والصراعات الداخلية، مما يعيد رسم موازين القوى في جنوب آسيا بطرق قد لا ترغبها أطراف المعادلة الحالية.
