ملف الضحايا المدنيين ودمار البنية التحتية في لبنان وفلسطين
إحصاءات الضحايا وحجم الدمار
- dr-naga
- 19 مايو، 2026
- تقارير
- إعادة الإعمار, البنية التحتية في لبنان وفلسطين, الصحة, الطاقة, المياه, دمار, فلسطين, لبنان, ملف الضحايا المدنيين, مناطق منكوبة, وقف إطلاق النار
الرائد: لم تكن اتفاقات وقف إطلاق النار الأخيرة في لبنان وفلسطين مجرد إعلان لانتهاء دوي الانفجارات، بل كانت بمنزلة الستار الذي انقشع ليكشف عن حجم الكارثة الإنسانية والعمرانية التي خلفتها الآلة العسكرية. فبينما تسعى المساعي الدبلوماسية لتثبيت الهدنة، يواجه ملايين المدنيين واقعاً مأساوياً يترنح بين أرقام الضحايا الآخذة في التكشف، وشلل شبه كامل في قطاعات الطاقة، والمياه، والصحة، والتعليم. يرصد هذا الملف الكلفة الباهظة التي دفعها المدنيون من أرواحهم واستقرارهم، ويحلل حجم الدمار الممنهج الذي لحق بالبنية التحتية، محولاً المدن والبلدات إلى مناطق منكوبة تحتاج عقوداً من إعادة الإعمار.
في ظل التقلبات المتكررة لاتفاقات وقف إطلاق النار بين إسرائيل والجهات المعنية في لبنان وفلسطين، يواصل المدنيون -وبخاصة الأطفال- دفع الثمن الأغلى من أرواحهم ومنازلهم وبنيتهم التحتية. يستند هذا التقرير إلى بيانات موثقة من هيئات أممية، ومراكز أبحاث مستقلة، ومنظمات حقوقية دولية، لتحليل حجم الخسائر البشرية والمادية، ورصد أبرز التحديات التي تواجه عملية التعافي في مرحلة ما بعد الهدنة.
أولاً: حصيلة الضحايا المدنيين والأطفال
في لبنان: وفقاً لتقرير يورو ميد رايتس الصادر في 28 مارس 2026، قُتل 1,142 مدنياً منذ تصاعد العمليات العسكرية، بينهم 122 طفلاً، وأصيب 3,315 آخرون. وأفاد مكتب المفوضية السامية لحقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة أن 127 مدنياً على الأقل قُتلوا في لبنان منذ بدء وقف إطلاق النار في نوفمبر 2024، في انتهاكات مستمرة للاتفاق. وثّقت منظمة أنقذوا الأطفال مقتل 22 طفلاً وإصابة 89 آخرين خلال أقل من شهر من الهدنة المؤقتة، بمعدل أكثر من 4 أطفال يقتلون أو يصابون يومياً. كما قُتل ما لا يقل عن 40 عاملاً صحياً وأصيب 119 آخرون بين 2 و22 مارس 2026 وحده، وفق تحديثات ريليف ويب.
أما في فلسطين: وتحديداً قطاع غزة، يشير تقرير التقييم السريع للأضرار والاحتياجات الصادر عن البنك الدولي والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة في أبريل 2026، إلى أن النزاع أودى بحياة أكثر من 71,000 فلسطيني وأصاب أكثر من 171,000، مع فقدان العديدين تحت الأنقاض. منذ توقيع هدنة أكتوبر 2025، قُتل 449 فلسطينياً وأصيب 1,246 آخرون، وفق تحديثات مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية. ولا يزال 77% من السكان يواجهون انعداماً حاداً في الأمن الغذائي، بينما يحتاج 3,700 طفل لعلاج سوء التغذية الحاد.
وتُظهر البيانات فجوة كبيرة بين أرقام الضحايا الموثقة رسمياً والتقديرات الميدانية، نظراً لصعوبة الوصول للمناطق المتضررة وتعطيل أنظمة الرصد الصحية.
ثانياً: أضرار البنية التحتية والمنازل
في القطاع السكني، تشير التقديرات إلى أن حوالي 80% من المباني في غزة تعرضت للدمار الكلي، مع أضرار جزئية لملايين الوحدات الأخرى، مما أدى إلى نزوح 1.9 مليون شخص. أما في لبنان، فتشير التقارير إلى تدمير عشرات الآلاف من المنازل في الجنوب والضاحية، مع أضرار واسعة في بيروت والبقاع، ونزوح أكثر من مليون شخص. ويُقدّر الأضرار المباشرة في قطاع الإسكان بغزة بنحو 18.01 مليار دولار، وهو الأعلى بين جميع القطاعات. وفي لبنان، أفاد تقييم أنقذوا الأطفال أن أضراراً كبيرة لحقت بالمأوى، مع نقص حاد في مواد البناء المؤقتة بسبب القيود الإسرائيلية على المواد مزدوجة الاستخدام.
أما البنية التحتية الحيوية في غزة، فقد تضرر 42% فقط من المرافق الصحية، مع نقص حاد في الأدوية والمعدات الطبية الأساسية. وتعطل 85% من محطات ضخ الصرف الصحي، وجميع محطات معالجة مياه الصرف الستة، ما يزيد خطر الأوبئة. ودُمر 90% من شبكة الكهرباء، وتعتمد غزة كلياً على المولدات التي تعاني من شح الوقود. وتُقدّر الأضرار الإجمالية للبنية التحتية في غزة بـ 35.2 مليار دولار، مع احتياجات إعادة إعمار تصل إلى 71.4 مليار دولار.
وفي لبنان، استهدفت الغارات الجسور الرابطة بين الجنوب وبيروت، والمستشفيات، وشبكات المياه والكهرباء. وأفاد تقرير البنك الدولي عن أضرار بنسبة 60% في قطاع التصنيع، و40% في التجارة، و60% في السياحة.
ثالثاً: تحليلات مراكز الأبحاث وآراء السياسيين
في تقييم صادر عن مركز جاي ستريت للسياسات في واشنطن في أبريل 2026، يشير التحليل إلى أن وقف إطلاق النار في غزة لم يتجاوز الوقف المؤقت للقتال، حيث لم يتم صرف سوى 0.5% من المساعدات الملتزمة لإعادة الإعمار، بسبب ربط التمويل بنزع سلاح حماس وانسحاب إسرائيلي كامل. وتُعيق القيود الإسرائيلية على دخول مواد البناء مزدوجة الاستخدام أي تقدم ملموس في إزالة الأنقاض أو إعادة البناء.
وتؤكد دراسة يورو ميد رايتس الحقوقية أن الانتهاكات المستمرة للقانون الإنساني الدولي، بما فيها استخدام الفوسفور الأبيض في مناطق مأهولة، تجعل من وقف إطلاق النار هشاً وغير كافٍ لحماية المدنيين.
ومن التصريحات السياسية البارزة، حذّر المفوض السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك من أن الهجمات الإسرائيلية على مباني سكنية متعددة الطوابق في لبنان قد تُشكّل انتهاكات جسيمة للقانون الإنساني، داعياً إلى تحقيقات مستقلة ومحاسبة المسؤولين. كما صرّح وزير الدفاع الإسرائيلي إسحق كاتس في مارس 2026 عن خطة تسريع تدمير المنازل اللبنانية في قرى التماس، في إشارة إلى نماذج رفح وبيت حانون في غزة.
ويشير تقرير صادر عن معهد السياسات المالية في الجامعة الأمريكية في بيروت إلى أن تحول لبنان إلى ساحة أزمة إنسانية يعكس عجز الدولة عن تلبية احتياجات مواطنيها دون مساعدة خارجية، محذراً من تداعيات طويلة الأمد على الاستقرار الاجتماعي.
رابعاً: أبرز التحديات بعد وقف إطلاق النار
يتمثل التحدي الأول في استمرار الانتهاكات، حيث تُسجَّل خروقات متكررة للهدنة من الطرفين، مع استهداف مدنيين، مما يقوِّض الثقة في العملية السلمية ويستمر في دفع المدنيين للنزوح.
أما التحدي الثاني فيتمثل في القيود على المساعدات، حيث تصنِّف إسرائيل مواد البناء والإغاثة كمزدوجة الاستخدام، مما يعطِّل إعادة الإعمار ويفاقم الأزمة الإنسانية.
ويأتي التحدي الثالث متمثلاً في الأزمة الاقتصادية، حيث انهار الناتج المحلي في غزة بنسبة 83% في 2024، وارتفعت البطالة إلى 78%، مما أدى إلى فقدان سبل العيش لملايين السكان.
ويتجلى التحدي الرابع في الصدمة النفسية للأطفال، حيث تعرَّض ملايين الأطفال للنزوح المتكرر وفقدان الأهل، مما يعرِّض جيلاً كاملاً لاضطرابات نفسية طويلة الأمد.
ويتمثل التحدي الخامس في غياب الحوكمة الفعالة، حيث تعجز لجنة الإدارة الوطنية في غزة عن العمل الميداني الفعَّال، مما يخلق فراغاً مؤسسياً يعيق تنسيق الإغاثة وإعادة البناء.
أما التحدي السادس فيتمثل في التلوث البيئي الناتج عن استخدام أسلحة محظورة مثل الفوسفور الأبيض وتدمير شبكات الصرف، مما يخلق مخاطر صحية وبيئية قد تستمر لعقود قادمة.
خامساً: توصيات ختامية
أولاً: ضمان حماية المدنيين من خلال تفعيل آليات رصد دولية مستقلة لمراقبة التزام الأطراف بوقف إطلاق النار، وحماية البنى التحتية المدنية.
ثانياً: رفع القيود عن المساعدات بالسماح بدخول مواد البناء الأساسية والمعدات الطبية دون تصنيفها كمزدوجة الاستخدام.
ثالثاً: تمويل عاجل لإعادة الإعمار من خلال صرف التعهدات الدولية البالغة 17 مليار دولار عبر صندوق يديره البنك الدولي، بشروط شفافة وغير سياسية.
رابعاً: دعم نفسي-اجتماعي للأطفال من خلال تخصيص برامج طارئة للرعاية النفسية للأطفال المتأثرين، بالتنسيق مع اليونيسف ومنظمة الصحة العالمية.
خامساً: مساءلة ومحاسبة من خلال دعم التحقيقات المستقلة في انتهاكات القانون الإنساني، وضمان عدم الإفلات من العقاب.
في الختام، يثبت واقع الحال في لبنان وفلسطين أن وقف إطلاق النار ليس إلا خطوة أولى في مسار طويل ومعقد؛ فالحرب لا تنتهي بمجرد صمت المدافع، بل تبدأ مواجهتها الحقيقية عند محاولة ترميم حياة البشر وإعادة بناء الحجر. إن حجم الدمار الذي لحق بالبنية التحتية، والأعداد الهائلة للضحايا المدنيين، يضعان المجتمع الدولي أمام اختبار أخلاقي وسياسي حاسم. ولن تكتمل قيمة أي اتفاق سياسي ما لم يتبعه التزام دولي حقيقي بإعادة الإعمار، وتقديم الإغاثة العاجلة، وضمان عدم تكرار هذه الكوارث الإنسانية التي تدفع الشعوب ثمنها من حاضرها ومستقبلها.
مصادر التقرير:
يورو ميد رايتس – لبنان في أزمة: شهر من الحرب والدمار الإنساني (مارس 2026)
ريليف ويب – تحديث الوفيات والنزوح في لبنان (مارس 2026)
مركز جاي ستريت – ستة أشهر من هدنة غزة: تقييم الوضع (أبريل 2026)
منظمة أنقذوا الأطفال – أكثر من 4 أطفال يُقتلون أو يُصابون يومياً خلال الهدنة في لبنان (مايو 2026)
البنك الدولي/الاتحاد الأوروبي/الأمم المتحدة – تقييم الأضرار والاحتياجات السريع: قطاع غزة (أبريل 2026)
منظمة أنقذوا الأطفال – تقييم الأسر في لبنان: ما بعد وقف إطلاق النار (2025)
مكتب المفوضية السامية لحقوق الإنسان – تقرير الوفيات والنزوح في لبنان (أبريل 2026)
المفوضية السامية لحقوق الإنسان – إحاطة إعلامية حول الوضع في لبنان (أبريل 2026)
الجامعة الأمريكية في بيروت – تأثير النزوح والحرب يهدد.. (تقرير سياسات) مستفاد من الذكاء الاصطناعي.