معارض إيراني: يكشف دور طهران في انقلاب تركيا 2016

تفاصيل مثيرة وخلفيات جيوسياسية

الرائد: في واحدة من أكثر التصريحات إثارة للجدل التي طفت على السطح حول الملابسات الغامضة لمحاولة الانقلاب العسكري الفاشلة التي شهدتها تركيا في الخامس عشر من يوليو عام 2016، كشف المعارض الإيراني حسن هاشيمان عن معلومات خطيرة تتهم النظام الإيراني بالتورط المباشر أو على أقل تقدير العلم المسبق بتلك المحاولة الانقلابية التي هزت أركان الدولة التركية وكادت تغير خريطة المنطقة برمتها.

جاءت هذه التصريحات في حوار خاص نشرته جريدة الشرق القطرية في السادس عشر من يوليو عام 2016، أي بعد يوم واحد فقط من الحادثة، حيث أدلى هاشيمان بتفاصيل مثيرة حول ما وصفه باجتماع أمني طارئ عُقد في بيت المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، قبل ساعات معدودة من بدء تنفيذ العملية الانقلابية.

تفاصيل الاجتماع المزعوم

وحسب رواية هاشيمان، فإن الاجتماع ضم نخبة من أبرز صناع القرار الأمني والعسكري في إيران، وهم: محمد جواد ظريف وزير الخارجية، ومحمد حسين باقري رئيس الأركان العامة للقوات المسلحة، وقاسم سليماني قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري، ووزير الاستخبارات الإيراني، ومحمد علي جعفري القائد العام للحرس الثوري، بالإضافة إلى الحاشية الأمنية الخاصة بالولي الفقيه.

وأكد هاشيمان أن هذا الاجتماع الحساس انعقد في التاسعة من مساء يوم الجمعة بالتوقيت المحلي الإيراني، أي في السابعة والنصف مساء بتوقيت إسطنبول، مما يعني أنه سبق بدء تنفيذ المحاولة الانقلابية بنحو ساعتين ونصف الساعة تقريبا.

اتصالات إقليمية مكثفة

ولم يقتصر الحضور على المسؤولين الإيرانيين فحسب، بل كشف المعارض الإيراني أن خطا ساخنا كان مفتوحا خلال هذا الاجتماع مع ثلاثة من أبرز حلفاء طهران الإقليميين، هم: حسن نصرالله الأمين العام لحزب الله اللبناني، وبشار الأسد رئيس النظام السوري، وإبراهيم الجعفري الذي كان يشغل منصب رئيس الوزراء العراقي آنذاك، حيث كانوا على اتصال مستمر مع الاجتماع طوال فترة انعقاده.

الدور المزعوم للسفارة الإيرانية

وفي سياق متصل، أشار هاشيمان إلى أن السفارة الإيرانية في أنقرة والقنصلية العامة في إسطنبول قد فتحت خطا مباشرا مع الاجتماع المنعقد في بيت المرشد الإيراني. وادعى أنه بمجرد بدء العملية الانقلابية، قامت البعرتان الدبلوماسيتان بنقل كل الأحداث المتعلقة بالانقلاب لحظة بلحظة إلى صناع القرار في طهران، مؤكدا أن النظام الإيراني كان يمهد الطريق للاعتراف الرسمي بالانقلابيين كحكومة جديدة.

تغير الموقف الإيراني

لكن هاشيمان استدرك بأن الموقف تغير بشكل جذري عندما بدأت التقارير الواردة من السفارة الإيرانية في أنقرة تخيب آمال المجتمعين في طهران. وأوضح أن التقارير أفادت بفشل الانقلابيين في الوصول إلى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وعدم تعاون رئيس أركان الجيش التركي معهم، وما تلاه من تمرد واسع في صفوف الجيش التركي على المحاولة الانقلابية، ثم ظهور أردوغان على شاشة قناة سي إن إن ترك، ونزول مئات الآلاف من المواطنين الأتراك إلى الشوارع بدعوة منه.

وهو ما دفع المجتمعين في طهران إلى التريث في إعلان دعمهم للانقلابيين، ثم التقلب في مواقفهم بشكل سريع، وإصدار بيان وسطي من قبل وزارة الخارجية الإيرانية يدين المحاولة ويؤكد الدعم للحكومة الشرعية.

الخلفية التاريخية والسياق الجيوسياسي

ولفهم أبعاد هذه الاتهامات، لا بد من الوقوف عند السياق التاريخي للعلاقات التركية الإيرانية في تلك الفترة. فقد كانت العلاقات بين أنقرة وطهران تمر بحالة من التوتر الشديد بسبب الملف السوري، حيث كانت تركيا تدعم فصائل المعارضة السورية وتسعى لإسقاط نظام بشار الأسد، بينما كانت إيران الحاضنة الرئيسية لهذا النظام وتقوم بدور عسكري مباشر عبر ميليشيات الحرس الثوري وحزب الله اللبناني.

ومن الناحية التاريخية، لطالما كانت العلاقات التركية الإيرانية تتأرجح بين التنافس الإقليمي والتعاون الاقتصادي، حيث تجمع البلدين حدود مشتركة تمتد لنحو 500 كيلومتر، وتربطهما مصالح اقتصادية كبيرة في مجال الطاقة والتجارة. لكن الاختلافات المذهبية والجيوسياسية ظلت تمثل مصدر توتر دائم، خاصة بعد الربيع العربي عام 2011.

الموقف الإيراني الرسمي

وعلى النقيض من ادعاءات هاشيمان، تشير الوثائق الرسمية والتصريحات المنشورة إلى أن إيران كانت من أوائل الدول التي أعربت عن دعمها للرئيس أردوغان فور اندلاع محاولة الانقلاب. فقد اتصل الرئيس الإيراني حسن روحاني بأردوغان في الساعات الأولى للانقلاب معربا عن تضامنه الكامل، كما قام وزير الخارجية محمد جواد ظريف بزيارة لأنقرة في الثاني عشر من أغسطس عام 2016 في رسالة واضحة لدعم الحكومة التركية.

محللون وخبراء يعلقون

وفي هذا السياق، يرى محللون في معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي أن محاولة الانقلاب في تركيا واجهت إيران بخطر محتمل يتمثل في نشوب صراع عنيف في دولة مجاورة كبيرة ومهمة، وأن احتمال سقوط نظام إسلامي، حتى لو كان سنيا، كان يُنظر إليه في طهران كسابقة خطيرة قد تشجع معارضي النظام الإيراني على تكرار السيناريو.

كما يشير تقرير صادر عن معهد دول الخليج في واشنطن إلى أن إيران أدانت الانقلاب بشكل علني أثناء حدوثه، وكانت من أوائل دول العالم التي دعمت الحكومة التركية، معتبرا أن هذا الموقف كان مدروسا بعناية، فالتعامل مع فتح الله غولن المعروف بعدائه الأيديولوجي لإيران سيكون أكثر إشكالية من الحفاظ على علاقات موثوقة وإن كانت متوترة أحيانا مع حكومة أردوغان.

وفي تحليل نشره معهد الشرق الأوسط، لفت الباحثون إلى أن أردوغان نفسه صرح بأن هذا الانقلاب له فاعلون داخل تركيا لكن السيناريو كُتب خارجه، في إشارة إلى أطراف خارجية لم يسمها، وهو ما فتح الباب واسعا أمام نظريات المؤامرة حول تورط قوى إقليمية ودولية مختلفة.

توقعات مستقبلية

وبالنظر إلى المستقبل، يمكن رصد عدة مؤشرات تتعلق بهذا الملف. أولا، من المرجح أن تبقى هذه الاتهامات حبرا على ورق ما لم تظهر وثائق استخباراتية رسمية تؤكدها، خاصة أن هاشيمان ينتمي لجهة معارضة للنظام الإيراني مما يثير تساؤلات حول دوافع تصريحاته.

ثانيا، من المتوقع أن تستمر تركيا في الاعتماد على الرواية الرسمية التي تربط محاولة الانقلاب بمنظمة فتح الله غولن، مع إبقاء الباب مفتوحا أمام فرضيات أخرى تخدم أجنداتها السياسية في المنطقة.

ثالثا، تشير التوقعات إلى أن العلاقات التركية الإيرانية ستظل تخضع لحسابات المصالح المتبادلة، حيث تتعاون الدولتان في ملفات مثل الطاقة والتجارة، بينما تتنافسان في ملفات أخرى كالنفوذ في سوريا والعراق والقوقاز.

رابعا، من المرجح أن تظل محاولة انقلاب 2016 موضوعا حيا في الخطاب السياسي التركي، حيث يتم إحياء ذكراها سنويا كمناسبة لتأكيد شرعية الحكومة التركية وتعبئة المشاعر الوطنية.

خاتمة

يبقى ملف الاتهامات الموجهة لإيران بالتورط في محاولة انقلاب 2016 ملفا شائكا يفتقر إلى الأدلة القاطعة، لكنه يظل شاهدا على حالة التوتر والريبة التي كانت تسود المنطقة في تلك الفترة الحرجة. وسواء كانت هذه الاتهامات صحيحة أم مجرد نظريات مؤامرة، فإنها تعكس عمق الانقسامات الإقليمية والتداخلات المعقدة بين دول المنطقة في مرحلة ما بعد الربيع العربي.

المصادر:

1. جريدة الشرق القطرية، مقال معارض إيراني: طهران متورطة في الانقلاب التركي، 16 يوليو 2016.
2. معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، دراسة: محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا: دفعة للعلاقات الإيرانية التركية، 31 يوليو 2016.
3. معهد دول الخليج في واشنطن، تحليل: تركيا وإيران: نهاية شهر العسل، 9 أبريل 2021.
4. معهد الشرق الأوسط، تحليل: courtship المعاد إحياءه بين تركيا وإيران، 24 أغسطس 2016.
5. المركز الإيراني للدراسات، مقال: كيف نظر الإيرانيون لمحاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا، 17 أغسطس 2016.
6. الموسوعة الحرة ويكيبيديا، مقال: محاولة الانقلاب في تركيا عام 2016.
7. البرلمان الأوروبي، تقرير: تركيا منذ محاولة الانقلاب الفاشلة في يوليو 2016.

اترك تعليقا