بوركينا فاسو .. تشديد رقابي لمواجهة التطرف أم تقييد للحريات؟
تنظيم ممارسة الشعائر الدينية
- dr-naga
- 4 يوليو، 2026
- تقارير وترجمات
- التطرف, بوركينا فاسو, تابع معنا الأخبار العربية والدولية والعالم الإسلامي | أخبار الرائد, تقييد الحريات
الرائد: في خطوة تهدف إلى ضبط المشهد الديني وحماية الاستقرار الاجتماعي، أقرت الجمعية التشريعية الانتقالية في بوركينا فاسو رسمياً مشروع قانون الحريات الدينية الجديد، وهو التشريع الذي تراه الحكومة ركيزة أساسية لتنظيم ممارسة الشعائر الدينية بما يتماشى مع متطلبات النظام العام.
ويأتي هذا التشريع، الذي أقره مجلس الوزراء في مارس الماضي، ليشكل نقلة نوعية في علاقة الدولة بالمؤسسات الدينية، حيث يلزم الجمعيات الدينية بالانضمام إلى مظلة معترف بها، وينشئ هيئة وطنية لمراقبة الممارسات وتكوين الدارسين، كما يفرض عقوبات تصل إلى السجن سبع سنوات على خطاب الكراهية والتحريض الديني. ويشمل النص حظراً على الموظفين العموميين من ممارسة أي نشاط دعوي أثناء العمل، وينظم تمويل المنظمات الدينية بإلزامها بإيداع حساباتها لدى بنك الودائع التابع للخزانة العامة.
من التسامح إلى مواجهة التطرف
تاريخياً، عُرفت بوركينا فاسو بأنها نموذج للتسامح والتعايش السلمي بين أتباع الديانات المختلفة، حيث يشكل المسلمون أغلبية تقارب 60%، إلى جانب مسيحيين وأتباع ديانات تقليدية. غير أن هذا النسيج الاجتماعي تعرض لاهتزازات عنيفة منذ عام 2015، مع تسلل جماعات جهادية مرتبطة بتنظيمي القاعدة وداعش إلى مناطق الشمال والشرق، مستغلةً التهميش الاقتصادي وضعف حضور الدولة. وقد أدت هذه الهجمات إلى سقوط آلاف الضحايا وتشريد ملايين المواطنين. ومع وصول العسكريين إلى السلطة عام 2022 بقيادة النقيب إبراهيم تراوري، تبنت الحكومة مقاربة شاملة لإعادة الأمن، أدركت فيها أن المواجهة العسكرية وحدها لا تكفي، بل يجب قطع الطريق أمام الجماعات المتطرفة التي تستغل المنابر الدينية غير المنظمة والتمويل الخارجي المشبوه لتجنيد الشباب. لذا، يُنظر إلى هذا القانون كإجراء وقائي هيكلي يهدف إلى إعادة سيادة الدولة على المجال الديني، على غرار ما شهدته دول أخرى في المنطقة مثل تشاد والسنغال من محاولات لضبط الخطاب الديني.
بين ضرورة الأمن ومخاوف التقييد
وفي سياق تحليل هذا التشريع، يرى الباحث السياسي البوركينابي البارز الدكتور أوغستين لوادا أن “الدولة تحاول استعادة سيادتها على المجال الديني، والذي تحول في بعض المناطق إلى فضاء موازٍ تسيطر عليه أيديولوجيات متطرفة”. ويضيف لوادا في دراسة حول تحولات الحكم في الساحل أن “تنظيم التمويل الديني يعد خطوة حاسمة، إذ أن الجماعات الإرهابية غالباً ما تستغل التبرعات غير المراقبة لتمويل عملياتها”.
من جانبه، يشير الدكتور نوحم كوبيني، الباحث في معهد دراسات الأمن بواغادوغو، إلى أن “نية الحكومة لمكافحة التطرف مشروعة وضرورية، لكن الخطر يكمن في الغموض الذي يلف مصطلحات مثل خطاب الكراهية والنظام العام”. ويحذر كوبيني من أن “هذه القوانين قد تُستخدم كأداة لتقييد الحريات أو استهداف أقليات دينية معينة إذا لم تُطبق بشفافية تامة وبمشاركة من القيادات الدينية التقليدية”.
توقعات مستقبلية: اختبار التوازن بين الأمن والسلم الاجتماعي
وفي المستقبل القريب، سيواجه الرئيس إبراهيم تراوري وحكومته الانتقالية تحدياً كبيراً في تطبيق هذا القانون دون إثارة حفيظة الطرق الصوفية الكبرى، مثل التيجانية والقادرية، التي تمثل ثقلًا دينيًا واجتماعيًا هائلاً وتعتبر حليفاً تقليدياً للدولة في مواجهة التطرف. إذا نجحت الحكومة في دمج القيادات الدينية المعتدلة ضمن الهيئة الوطنية الجديدة، فقد تتمكن من تجفيف منابع التجنيد المتطرف. لكن إذا شعرت هذه المؤسسات أن القانون يمثل تضييقاً عليها أو تدخلاً سافراً في شؤونها الداخلية، فقد ينقلب السحر على الساحر، مما يؤدي إلى احتقان اجتماعي يخدم بالضرورة أجندة الجماعات المسلحة.
كما ستراقب المنظمات الحقوقية الدولية مدى التزام الحكومة بالمعايير الدولية لحرية المعتقد، وهل سيُستخدم القانون فعلاً لحماية النسيج الاجتماعي أم سيكون غطاءً قانونياً لقمع المعارضين. إن نجاح بوركينا فاسو في هذا الرهان سيشكل نموذجاً يمكن أن تحتذي به دول الساحل الأفريقي الأخرى التي تعاني من نفس التحدي الوجودي بين متطلبات الأمن واحترام الحريات.
المصادر:
– البيان الرسمي للحكومة الانتقالية في بوركينا فاسو عقب مصادقة الجمعية التشريعية على القانون.
– معهد دراسات الأمن (Institute for Security Studies – ISS)، تقارير حول ديناميكيات التطرف والحوكمة في منطقة الساحل.
– تصريحات وتحليلات الدكتور أوغستين لوادا (Augustin Loada) حول علاقة الدولة بالمؤسسات الدينية في بوركينا فاسو.
– دراسات المركز الأفريقي للدراسات الاستراتيجية حول تأثير التمويل الخارجي على المؤسسات الدينية في غرب أفريقيا.
– تقارير منظمات حقوق الإنسان الدولية حول حرية المعتقد ومكافحة الإرهاب في منطقة الساحل.
