تركيا وإسرائيل: حرب الكلام تتجاوز السياسة إلى صدام الأيديولوجيا الشامل!
أردوغان ونتنياهو يكسران "الخط الأحمر"
- dr-naga
- 28 يونيو، 2026
- تقارير
- أردوغان ونتنياهو, أنقرة, إسرائيل, الخط الأحمر, القطيعة, تركيا, تل أبيب, حرب الكلام, صدام الأيديولوجيا
الحرب الكلامية بين أنقرة وتل أبيب تصل إلى “الخط الأحمر”.. نتنياهو يستدعي “الدرس التاريخي” للرد على أردوغان ومحللون: القطيعة تجاوزت الدبلوماسية إلى الأيديولوجيا
وصلت حدة التوتر بين تركيا وإسرائيل إلى مستويات غير مسبوقة، حيث تبادل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو اتهامات وجودية، في تصعيد يعكس تحولاً جذرياً في طبيعة العلاقة بين البلدين، من شراكة استراتيجية إلى عداء أيديولوجي مفتوح.
نتنياهو: أردوغان يدعو يومياً لتدمير إسرائيل وسنبلغ واشنطن
رداً على خطاب أردوغان الذي وصف فيه “الصهيونية” بأنها أيديولوجية إبادة جماعية تهدد بقاء تركيا، أصدر مكتب نتنياهو بياناً حاداً، جاء فيه: “بالكاد يمر يوم دون أن يدعو أردوغان إلى تدمير دولة إسرائيل”.
وبرر نتنياهو تشدد موقفه بالاستناد إلى الرواية التاريخية الإسرائيلية، قائلاً: “نحن نأخذ هذه الكلمات على محمل الجد، لأنه إذا كان هناك شيء واحد تعلمناه من تاريخ ‘شعبنا’، فهو أنه عندما يقول شخص ما إنه يعتزم تدميرك، يجب أن تأخذه على محمل الجد”.
ولم يكتفِ نتنياهو بذلك، بل وجه رسالة ضمنية لواشنطن، حيث أضاف: “نحن نأخذ هذه البيانات على محمل الجد، وسنلفت انتباه أصدقائنا الأمريكيين إليها أيضاً”، في مسعى إسرائيلي واضح لإدراج التصريحات التركية ضمن ملف “معاداة السامية” لحشد الدعم الغربي ضد أنقرة.
أردوغان: الصراع من أجل البقاء
وتأتي هذه التصريحات رداً على خطاب متلفز للرئيس أردوغان، شدد فيه على أن “الصهيونية تهدد بقاء تركيا وأن محاربتها أصبحت ضرورة حتمية”.
وقال أردوغان: “إنّ أيديولوجية الإبادة الجماعية والاحتلال والتوسع التي تُسمى الصهيونية لا تُهددني وحدي، ولا حزبنا وحدي، ولا تحالفنا فحسب، بل تُهدد الجميع”.
وأضاف موضحاً دوافع أنقرة: “عندما نناضل ضد الصهيونية، فإننا لا نخوض هذا النضال من أجل أنفسنا أو لأسباب شخصية، بل نفعل ذلك من أجل بقائنا وبقاء أمتنا”.
تعليقات المحللين: أيديولوجيا مقابل استراتيجية
يرى خبراء ومحللون سياسيون أن هذا التصعيد ليس مجرد “حرب كلامية” عابرة، بل يعكس قناعة راسخة لدى كلا الزعيمين بأن الآخر يمثل تهديداً وجودياً.
في هذا السياق، يرى سونر جاغابتي (Soner Cagaptay)**، الباحث البارز في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى والخبير في الشؤون التركية، أن “نتنياهو يحاول توظيف خطاب أردوغان لصالحه داخلياً وخارجياً؛ فمن خلال توجيه رسالة إلى ‘الأصدقاء الأمريكيين’، يسعى نتنياهو إلى وضع أردوغان في خانة معاداة السامية، لتبرير ما تقوم به إسرائيل في غزة، وإسكات الانتقادات الغربية”.
من جانبه، يذهب أودي ديكيل (Udi Dekel) ، الرئيس السابق لمركز “ميتvim” الإسرائيلي للدراسات الإقليمية، والمحلل في معهد دراسات الأمن القومي (INSS)، إلى أن “العلاقة بين البلدين ماتت سريرياً. أردوغان لم يعد ينظر إلى إسرائيل كحليف استراتيجي أو شريك تجاري، بل يعتبرها عدواً أيديولوجياً يمثل النفوذ الغربي في المنطقة. وفي المقابل، يرى نتنياهو أن أردوغان يمول ويدعم حماس، مما يجعله تهديداً أمنياً مباشراً”.
أما المحلل التركي د. مسut حقّي قاشين (Mesut Hakkı Caşın)، الخبير في القانون الدولي والعلاقات التركية الإسرائيلية، فيشير إلى أن “خطاب أردوغان يعكس تحولاً في السياسة الخارجية التركية من ‘البراغماتية’ التي كانت تميز بداية عهد حزب العدالة والتنمية، إلى ‘البراغماتية الإسلامية’ التي تتخذ من القضية الفلسطينية ورفض الصهيونية ركيزة أساسية للشرعية الإقليمية”.
خلفيات تاريخية: من “الحليف الاستراتيجي” إلى “العدو الوجودي
لفهم حجم الشرخ الحالي، لا بد من استعراض التاريخ المتقلب للعلاقات التركية الإسرائيلية، والذي مر بمحطات رئيسية:
1. عقد الاعتراف والتحالف (1949 – 2000):
كانت تركيا أول دولة ذات أغلبية مسلمة تعترف بإسرائيل عام 1949. وفي تسعينيات القرن الماضي، وصلت العلاقات إلى ذروتها بتوقيع اتفاقيات تعاون عسكري وأمني واسعة، حيث كانت إسرائيل ترى في تركيا “حليفاً استراتيجياً” في محيطها المعادي، بينما كانت أنقرة ترى في تل أبيب “جسراً” للوصول إلى واشنطن واللوبي اليهودي.
2. بداية الشرخ (2002 – 2009):
مع وصول حزب “العدالة والتنمية” بقيادة أردوغان إلى السلطة، بدأت النبرة تتغير تدريجياً. وكانت نقطة التحول الأولى في منتدى دافوس الاقتصادي عام 2009، عندما غادر أردوغان المنصة غاضباً بعد مداخلة للرئيس الإسرائيلي شيمعون بيريز مدافعاً عن الحرب على غزة، قائلاً جملته الشهيرة: “لنأتي إلى هنا بعد الآن، لن أعود”.
3. أزمة “مافي مرمرة” (2010):
شهدت العلاقات انهياراً تاماً في مايو 2010، عندما داهمت القوات الخاصة الإسرائيلية سفينة “مافي مرمرة” التركية ضمن أسطول الحرية المتجه لكسر الحصار عن غزة، مما أسفر عن مقتل 10 ناشطين أتراك. وأدت الأزمة إلى سحب السفراء وتجميد التعاون العسكري.
4. محاولات المصالحة والتراجع (2016 – 2022):
في عام 2016، تم التوقيع على اتفاق مصالحة بوساطة أمريكية، وعادت السفراء، لكن العلاقات ظلت فاترة بسبب استمرار الخلاف حول غزة. وفي عام 2022، قام الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ بزيارة تاريخية لأنقرة في محاولة لترميم العلاقات، ووصف أردوغان آنذاك بأن “إسرائيل ليست عدواً لتركيا”.
5. القطيعة الكاملة (أكتوبر 2023 – حتى الآن):
مع اندلاع الحرب على قطاع غزة في 7 أكتوبر 2023، انهارت كل محاولات المصالحة. صعد أردوغان من هجومه، ووصف نتنياهو بـ”مجرم الحرب” وشبهه بـ”هتلر”، بينما رد نتنياهو بوصف أردوغان بأنه “ديكتاتور” يدعم “الإرهاب”. وتوجت تركيا هذا العداء مؤخراً بإيقاف كافة التعاملات التجارية مع إسرائيل، وهو ما يعتبره المحللون “الضربة القاضية” لأي أمل في عودة العلاقات في المدى المنظور.
المصادر والمراجع:
1.البيانات الرسمية: البيان الصادر عن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (الموقع الرسمي لحكومة إسرائيل).
2. الخطابات الرئاسية: مقتبسات من الخطاب المتلفز للرئيس التركي رجب طيب أردوغان (نشرته وكالة الأناضول وقناة TRT).
3. تحليلات الخبراء:
– تحليلات سونر جاغابتي (Soner Cagaptay) ، مدير برنامج البحث التركي في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى.
– مقالات وتحليلات أودي ديكيل (Udi Dekel) ، المنشورة في معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS) ومركز ميتvim.
– تصريحات وتصريحات د. مسوت حقّي قاشين (Mesut Hakkı Caşın) ، عضو هيئة التدريس في جامعة طوبى للاقتصاد والتكنولوجيا، والمتخصص في العلاقات التركية الإسرائيلية.
4.المراجع التاريخية: أرشيف وزارة الخارجية التركية والإسرائيلية حول تطور العلاقات الدبلوماسية (1949-2023)، وتقارير مركز “المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية” (مدار) حول محطات التوتر بين أنقرة وتل أبيب.
