لماذا تتنافس واشنطن وبكين على البرازيل؟

أكبر اقتصاد في أمريكا اللاتينية يتحول إلى ركيزة للصراع الاقتصادي العالمي

أصبحت البرازيل اليوم واحدة من أكثر الدول تأثيرًا في حسابات القوى الكبرى، بعدما تحولت من سوق ناشئة واعدة إلى شريك اقتصادي وجيوسياسي يصعب تجاهله في ظل احتدام المنافسة بين الولايات المتحدة والصين على النفوذ العالمي.

فمع تصاعد الحرب التجارية والتكنولوجية بين واشنطن وبكين، باتت برازيليا تمثل نقطة ارتكاز رئيسية للطرفين، نظرًا لما تمتلكه من اقتصاد يتجاوز تريليونات الدولارات، وموارد طبيعية ضخمة، ودور متنامٍ في المؤسسات الدولية، وفي مقدمتها مجموعة “بريكس”.

صعود النفوذ الصيني

شهدت العلاقات الاقتصادية بين الصين والبرازيل طفرة كبيرة منذ بداية القرن الحادي والعشرين، مدفوعة بحاجة بكين إلى تأمين إمدادات مستقرة من الغذاء والطاقة والمواد الخام اللازمة لتوسعها الصناعي.

وأدى ذلك إلى تحول الصين إلى الشريك التجاري الأول للبرازيل منذ عام 2009، مع توسع استثماراتها في قطاعات الطاقة والكهرباء والنقل والموانئ والتعدين.

وتؤكد مارغريت مايرز، من مركز الحوار بين الأمريكتين، أن بكين لم تعد تعتمد فقط على شراء السلع البرازيلية، بل أصبحت لاعبًا أساسيًا في تطوير البنية التحتية، الأمر الذي منحها نفوذًا اقتصاديًا طويل الأمد داخل البلاد.

إستراتيجية أمريكية مختلفة

في المقابل، تبنت الولايات المتحدة مقاربة مختلفة تقوم على الاستثمار في التكنولوجيا المتقدمة والطاقة النظيفة وسلاسل الإمداد، إلى جانب دعم التعاون في مجالات الأمن السيبراني والاقتصاد الرقمي.

ويرى خبراء أن واشنطن تدرك أن منافسة الصين في التجارة التقليدية ستكون مهمة معقدة، لذلك تركز على القطاعات التي تمنحها أفضلية استراتيجية على المدى الطويل.

كما تنظر الإدارة الأمريكية إلى البرازيل باعتبارها عنصرًا رئيسيًا في خطط تنويع مصادر المعادن الإستراتيجية وتقليل الاعتماد على السوق الصينية.

معادن ترسم خريطة النفوذ

أصبحت المعادن الحرجة إحدى أبرز أوراق القوة التي تمتلكها البرازيل.

فالبلاد تزخر باحتياطيات كبيرة من النيكل والجرافيت والعناصر الأرضية النادرة، وهي مكونات أساسية في الصناعات الدفاعية والبطاريات والسيارات الكهربائية والإلكترونيات المتقدمة.

ولهذا تتسابق الولايات المتحدة والصين والاتحاد الأوروبي على توسيع التعاون مع برازيليا في قطاع التعدين، ضمن سباق عالمي لإعادة تشكيل سلاسل الإمداد الخاصة بالتكنولوجيا الحديثة.

دور متنامٍ داخل “بريكس”

في الوقت ذاته، عززت البرازيل حضورها السياسي داخل مجموعة “بريكس”، التي تسعى إلى زيادة نفوذ الاقتصادات الناشئة في النظام المالي العالمي.

ومع توسع المجموعة وطرح مبادرات لاستخدام العملات المحلية في التجارة، باتت برازيليا أحد الأصوات الداعية إلى نظام اقتصادي أكثر تعددية، مع الاحتفاظ بعلاقات قوية مع الغرب.

ويشير باحثون في مركز ويلسون إلى أن السياسة الخارجية البرازيلية تقوم على تحقيق التوازن بين المصالح الاقتصادية والانفتاح على مختلف الشركاء، بعيدًا عن سياسة المحاور.

ويرى محللون في مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي ومؤسسة بروكينغز أن البرازيل تقف أمام فرصة تاريخية للاستفادة من التنافس الدولي عبر جذب رؤوس الأموال والتكنولوجيا من أكثر من طرف، لكن ذلك يتطلب إدارة دقيقة للعلاقات الخارجية.

ومع دخول الذكاء الاصطناعي والاتصالات المتقدمة وأشباه الموصلات ضمن ساحات المنافسة الجديدة، قد تجد برازيليا نفسها مطالبة باتخاذ مواقف أكثر حساسية في بعض الملفات، وهو ما سيختبر قدرتها على مواصلة سياسة التوازن التي اتبعتها خلال العقدين الماضيين.

وفي المحصلة، تبدو البرازيل اليوم أحد أبرز مفاتيح التنافس الاقتصادي العالمي، إذ تجمع بين الثقل الاقتصادي والموارد الطبيعية والموقع الجيوسياسي، ما يجعلها شريكًا لا غنى عنه لكل من واشنطن وبكين، وفاعلًا مرشحًا للعب دور أكبر في تشكيل ملامح النظام الدولي خلال السنوات المقبلة.

اترك تعليقا