كيف تؤثر الحرب الأوكرانية على العلاقات الأمريكية الروسية ؟

ترامب في بكين.. وروسيا تعود إلى قلب التوازنات الدولية

تتحرك زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الصين وسط تقديرات سياسية متزايدة بأن ملف روسيا والحرب الأوكرانية حاضر بصورة غير مباشرة في معظم المحادثات الأمريكية الصينية، رغم غياب القضية رسمياً عن العناوين المعلنة للقمة.

وترى دوائر دبلوماسية غربية أن العلاقة المتنامية بين بكين وموسكو، واستمرار الحرب في أوكرانيا، والضغوط الاقتصادية والعسكرية التي تواجهها الولايات المتحدة وأوروبا، جعلت الملف الروسي جزءاً أساسياً من الحسابات الاستراتيجية للقوتين العظميين.

ونقلت صحيفة فايننشال تايمز في تقارير نشرتها بين 12 و14 مايو 2026 عن مسؤولين ودبلوماسيين غربيين أن واشنطن تسعى إلى اختبار حدود الدعم الصيني الحقيقي لروسيا، خصوصاً في المجالات التكنولوجية والمالية والتجارية، بينما تحاول بكين الحفاظ على توازن دقيق بين دعم موسكو سياسياً وتجنب الظهور كطرف مباشر في الحرب الأوكرانية.

وقال الباحث الأمريكي جون ميرشايمر، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة شيكاغو، في تحليل حديث نشرته مجلة “فورين أفيرز”، إن الولايات المتحدة “دفعت روسيا والصين نحو شراكة استراتيجية غير مسبوقة” نتيجة توسع حلف شمال الأطلسي والعقوبات الغربية الواسعة على موسكو.

ويرى ميرشايمر أن العلاقة بين بكين وموسكو لم تعد مجرد تقارب تكتيكي مؤقت، بل تحولت إلى شراكة طويلة الأمد تهدف إلى مواجهة النفوذ الأمريكي العالمي وإعادة تشكيل ميزان القوى الدولي.

وفي موسكو، قال الباحث الروسي سيرغي كاراغانوف، المقرب من دوائر صنع القرار الروسية، في مقابلة مع وكالة “تاس” الروسية يوم 13 مايو 2026، إن الصين أصبحت “العمق الاقتصادي والجيوسياسي الأهم لروسيا” منذ اندلاع الحرب الأوكرانية.

وأضاف كاراغانوف أن العقوبات الغربية سرعت توجه موسكو شرقاً نحو آسيا، خاصة في قطاعات الطاقة والتكنولوجيا والتجارة بالعملات المحلية، معتبراً أن الاقتصاد الروسي أصبح أقل ارتباطاً بالنظام المالي الغربي مقارنة بما كان عليه قبل الحرب.

وفي السياق ذاته، أشار مركز كارنيغي للسلام الدولي في تحليل حديث إلى أن الحرب أعادت تشكيل الاقتصاد الروسي بصورة عميقة، حيث أوضح الباحث ألكسندر غابوييف أن موسكو تمكنت جزئياً من التكيف مع العقوبات الغربية عبر توسيع تجارتها مع الصين والهند ودول الجنوب العالمي، لكن ذلك جاء بكلفة اقتصادية وهيكلية مرتفعة على المدى الطويل.

أما على صعيد كلفة الحرب، فنقلت صحيفة “واشنطن بوست” خلال الساعات الماضية تقديرات غربية تشير إلى أن الحرب الأوكرانية أصبحت من أكثر الصراعات استنزافاً في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية، سواء من حيث الخسائر البشرية أو الانهيار الاقتصادي والبنية التحتية.

وكان البنك الدولي قد قدر في أحدث تقييماته أن إعادة إعمار أوكرانيا قد تتطلب مئات المليارات من الدولارات خلال السنوات المقبلة، في ظل استمرار العمليات العسكرية واتساع حجم الدمار.

وقالت فيونا هيل، المستشارة السابقة في مجلس الأمن القومي الأمريكي والمتخصصة في الشؤون الروسية، إن الولايات المتحدة تواجه “معضلة استراتيجية شديدة التعقيد”، لأنها تحاول في الوقت نفسه احتواء روسيا عسكرياً في أوروبا، ومواجهة الصين اقتصادياً وتكنولوجياً في آسيا، وإدارة التوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط المرتبطة بإيران.

وترى هيل أن تعدد الجبهات الدولية يفرض ضغوطاً متزايدة على القدرات العسكرية والمالية والسياسية الأمريكية، خصوصاً مع استمرار الاستنزاف المرتبط بالحرب الأوكرانية.

وفي بكين، قال الباحث الصيني وانغ ييوي، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة الشعب الصينية، في تصريحات نشرتها صحيفة “غلوبال تايمز”، إن الصين تعتبر الحرب الأوكرانية “نتيجة مباشرة لفشل النظام الأمني الأوروبي”، مؤكداً رفض بكين للعقوبات الغربية الأحادية.

وأضاف أن الصين تنظر بقلق إلى استخدام العقوبات الاقتصادية كأداة ضغط جيوسياسي، خوفاً من تكرار النموذج نفسه مستقبلاً في ملفات تايوان والتكنولوجيا والتجارة الصينية.

وفي أوروبا، تتزايد المخاوف من احتمال تراجع الالتزام الأمريكي تجاه أوكرانيا إذا اتجه ترامب نحو تفاهمات أوسع مع روسيا والصين.

وقال الباحث الفرنسي دومينيك مويسي من المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية إن عدداً من العواصم الأوروبية بات يشعر بأن مستقبل الأمن الأوروبي لم يعد مضموناً بالكامل بالمظلة الأمريكية كما كان خلال العقود الماضية.

كما نقلت صحيفة “بوليتيكو” الأمريكية عن مسؤولين أوروبيين خلال اليومين الماضيين مخاوف متزايدة داخل الاتحاد الأوروبي من احتمال ظهور “صفقة كبرى” تعيد ترتيب العلاقات بين واشنطن وموسكو وبكين، بما قد يؤثر على مستقبل أوكرانيا وحلف الناتو والتوازنات الأمنية الأوروبية.

من جانبه، اعتبر الكاتب الأمريكي فريد زكريا أن الحرب الأوكرانية كشفت حدود القوة الغربية التقليدية، بعدما أظهرت قدرة روسيا على الصمود اقتصادياً وعسكرياً بدعم صيني وآسيوي واسع نسبياً رغم العقوبات الغربية غير المسبوقة.

ويرى زكريا أن العالم يتجه تدريجياً نحو نظام دولي متعدد المراكز، لم تعد الولايات المتحدة وأوروبا قادرتين وحدهما على تحديد ملامحه أو التحكم الكامل في مساراته.

وتشير هذه التطورات إلى أن الملف الروسي بات حاضراً بقوة في خلفية القمة الأمريكية الصينية، حتى وإن لم يظهر بصورة علنية في البيانات الرسمية، إذ أصبحت العلاقة بين بكين وموسكو جزءاً رئيسياً من معادلة التوازن الدولي الجديدة، وأي تفاهم أمريكي صيني مستقبلي سيكون مضطراً للتعامل مع الحرب الأوكرانية، ومستقبل العقوبات، وأمن أوروبا، وإعادة تشكيل النظام الاقتصادي العالمي.

اترك تعليقا