قمة وزراء داخلية أوروبا تعيد رسم العلاقات مع العالم الإسلامي

تشديد أوروبي غير مسبوق في ملفات اللجوء والاندماج

الرائد: دخلت العلاقات بين الاتحاد الأوروبي والعالم الإسلامي مرحلة جديدة من التجاذب السياسي والأمني، مدفوعةً بسلسلة من التحركات الأوروبية المتسارعة لإعادة صياغة ملفات الهجرة واللجوء. وجاءت الاجتماعات المكثفة لوزراء داخلية التكتل الأوروبي خلال الأيام الثلاثة الماضية لتضع خطوطاً عريضة لمعادلة أمنية جديدة؛ تربط بشكل مباشر بين ضبط تدفقات اللجوء القادمة من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وبين مراجعة آليات الاندماج ومكافحة التطرف، مما يفتح الباب أمام نقاشات معقدة تعيد رسم ملامح الشراكة والتعاون بين الجانبين.

المفوضية الأوروبية..الاتحاد بحاجة  إلى شراكات أعمق

وفي بروكسل، أكدت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين أن الاتحاد الأوروبي “بحاجة إلى شراكات أعمق مع الدول العربية والإسلامية لمعالجة جذور الهجرة غير النظامية”، مشيرة إلى أن الحلول الأمنية وحدها “لن تكون كافية دون تعاون اقتصادي وتنموي واسع مع دول الجنوب”. وجاءت تصريحاتها خلال اجتماع أوروبي ناقش تدفقات المهاجرين عبر البحر المتوسط.

قنوات الحوار السياسي مع العالم العربي والإسلامي

كما شدد مفوض الاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية جوزيب بوريل على ضرورة الحفاظ على قنوات الحوار السياسي مع العالم العربي والإسلامي، محذراً من أن استمرار الحروب في غزة والسودان واليمن “سيؤدي إلى موجات عدم استقرار تمتد آثارها إلى أوروبا”.

في المقابل، يرى محللون في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية أن التوترات السياسية الأخيرة بين بعض الدول الأوروبية والجاليات المسلمة أعادت ملف الإسلاموفوبيا إلى الواجهة، خاصة بعد تصاعد الخطابات اليمينية في عدد من الدول الأوروبية. وقال الباحث البريطاني هيو لوفات إن “أوروبا تواجه تحدياً حقيقياً في تحقيق التوازن بين الأمن وحرية المعتقد والاندماج الاجتماعي”.

ربط قضايا الهجرة والتطرف بالإسلام  

ومن باريس، حذرت الباحثة الفرنسية هدى إبراهيم في المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية من أن استمرار ربط قضايا الهجرة والتطرف بالإسلام بصورة عامة “يؤدي إلى تعميق الانقسام داخل المجتمعات الأوروبية”، مشيرة إلى أن ملايين المسلمين الأوروبيين يشعرون بقلق متزايد تجاه الخطاب السياسي والإعلامي السائد.

وفي الجانب الاقتصادي، ناقش الاتحاد الأوروبي خلال الأيام الماضية خططاً جديدة لزيادة الاستثمارات في شمال أفريقيا ودول الساحل، في محاولة للحد من الضغوط الاقتصادية التي تدفع الشباب إلى الهجرة. ويرى مركز كارنيغي أوروبا أن بروكسل بدأت تدرك أن العلاقة مع العالم العربي والإسلامي “لم تعد مجرد ملف أمني، بل قضية استراتيجية تمس مستقبل أوروبا الديمغرافي والسياسي والاقتصادي”.

ملفات اللجوء الإنسانية

وفي هذا السياق، يسهم ربط قضايا الهجرة والتطرف بالإسلام في النقاشات الأوروبية الأخيرة في تحويل ملفات اللجوء الإنسانية إلى قضايا أمن قومي تقع تحت المجهر الأمني لوزارات الداخلية. ويتجلى هذا التوجه في تشديد الرقابة على المؤسسات والمساجد، وفرض شروط اندماج حازمة تربط الإقامة بتبني “القيم الأوروبية”. وفي المقابل، يحذر حقوقيون ومؤسسات في العالم الإسلامي من تداعيات هذا الخلط؛ كونه يغذي ظاهرة “الإسلاموفوبيا”، ويمنح تيارات اليمين المتطرف ذريعة لتأجيج العداء ضد المهاجرين، بدلاً من معالجة الهجرة كظاهرة ناتجة عن أزمات اقتصادية وسياسية في الشرق الأوسط.

ونجاح أي سياسات مستقبلية للتكامل والاندماج سيبقى رهناً بقدرة العواصم الأوروبية على الفصل بين مكافحة التطرف وصون حقوق المهاجرين، دون الانزلاق نحو تكريس صور نمطية تغذي الانقسام، وتدفع بالملفات الإنسانية إلى دهاليز الصراعات السياسية والأيديولوجية.

اترك تعليقا