فرنسا أعادت فتح النقاش حول إسرائيل

تراجع التأييد الشعبي وتزايد الضغوط السياسية

لم تكن علاقة فرنسا بإسرائيل يوماً مجرد ملف دبلوماسي عابر، بل امتداداً لإرث طويل من التوازنات المعقدة في الشرق الأوسط. واليوم، تقف الجمهورية الفرنسية في قلب مشهد سياسي متوتر أعاد فتح النقاش بشكل غير مسبوق حول طبيعة هذه العلاقة وحدود الدعم المتبادل. بين الضغوط الداخلية المتزايدة والتغيرات المتسارعة في الساحة الدولية، تجد باريس نفسها مضطرة لإعادة تقييم مواقفها التقليدية، مما يضع السياسة الخارجية للجمهورية أمام اختبار حقيقي يخلط الأوراق السياسية ويثير تساؤلات عميقة حول مستقبل تحالفاتها التاريخية.

وتحتل فرنسا موقعاً خاصاً في النقاش الأوروبي حول إسرائيل بسبب ثقلها السياسي والدبلوماسي، ووجود أكبر جالية يهودية في أوروبا، إضافة إلى وجود جاليات عربية ومسلمة كبيرة.

ورغم استمرار العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية بين باريس وتل أبيب، فإن السنوات الأخيرة شهدت تحولاً ملحوظاً في الرأي العام الفرنسي.

أظهرت نتائج يوجوف لعام 2025 أن صافي النظرة إلى إسرائيل في فرنسا بلغ نحو -48 نقطة، وهو أدنى مستوى منذ بدء هذه القياسات عام 2016. كما أظهرت الاستطلاعات أن أقل من خمس الفرنسيين يحملون نظرة إيجابية تجاه إسرائيل.

وبحسب نتائج الاستطلاع، فإن 16% فقط من الفرنسيين رأوا أن العمليات العسكرية الإسرائيلية كانت مبررة أو متناسبة، بينما أبدى عدد أكبر من المستطلعين انتقادات للعمليات العسكرية والخسائر المدنية.

سياسياً، أصبحت القضية الفلسطينية والإسرائيلية جزءاً من النقاش الداخلي الفرنسي. فقد تبنت قوى اليسار مواقف أكثر انتقاداً للسياسات الإسرائيلية، بينما استمرت بعض الأحزاب اليمينية والوسطية في الدفاع عن العلاقات الاستراتيجية مع إسرائيل.

وشهدت باريس ومدن فرنسية أخرى مظاهرات واسعة مؤيدة للفلسطينيين، كما برزت مطالبات داخل منظمات المجتمع المدني والنقابات بزيادة الضغوط الدبلوماسية والإنسانية.

الرئيس الفرنسي Emmanuel Macron دعا في مناسبات متعددة إلى وقف إطلاق النار وإيصال المساعدات الإنسانية وإحياء المسار السياسي، كما شاركت فرنسا في مواقف أوروبية مشتركة تنتقد الأوضاع الإنسانية في غزة.

وفي يوليو 2025 انضمت فرنسا مع بريطانيا ودول غربية أخرى إلى بيان مشترك انتقد ما وصفه بـ”القتل غير الإنساني للمدنيين” وطالب بإنهاء الحرب وإدخال المساعدات الإنسانية بصورة كاملة.

إعلامياً، تحولت القضية إلى موضوع دائم في الصحف والقنوات الفرنسية، مع حضور واسع للنقاشات المتعلقة بالقانون الدولي وحقوق الإنسان والأوضاع الإنسانية.

أما أكاديمياً، فقد شهدت الجامعات الفرنسية احتجاجات ونقاشات حول الحرب، الأمر الذي جعل القضية جزءاً من الحياة الجامعية والثقافية.

اقتصادياً، لا تزال العلاقات التجارية والعلمية قائمة، لكن بعض المؤسسات باتت أكثر حذراً تجاه المخاطر المرتبطة بالصورة العامة أو الحملات الاحتجاجية.

وتشير الاتجاهات الحالية إلى استمرار العلاقات الرسمية الفرنسية الإسرائيلية، لكن مع تراجع واضح في مستويات التأييد الشعبي. كما يبدو أن الأجيال الأصغر سناً أكثر انتقاداً للسياسات الإسرائيلية مقارنة بالأجيال السابقة.

وتُظهر استطلاعات الرأي أن فرنسا أصبحت جزءاً من اتجاه أوروبي أوسع يتمثل في انخفاض التأييد الشعبي لإسرائيل وارتفاع مستويات الانتقاد لسياساتها العسكرية خلال السنوات الأخيرة.

اترك تعليقا