المسلمون في الهند يواجهون معركة جديدة حول التعليم

ما أثار موجة واسعة من الجدل

أثار قرار حكومة ولاية أوتاراخاند بإلغاء مجلس المدارس الدينية وفرض المناهج الحكومية على جميع المؤسسات التعليمية الإسلامية موجة واسعة من الجدل داخل الهند وخارجها، في ظل اتهامات متزايدة لحكومة حزب بهاراتيا جاناتا بقيادة رئيس الوزراء ناريندرا مودي باستهداف المؤسسات التعليمية للأقليات المسلمة ضمن سياسة أشمل لإعادة صياغة المشهد الثقافي والديني في البلاد.

ويعد القرار، الذي يدخل حيز التنفيذ اعتبارًا من الأول من يوليو 2026، أحدث حلقة في سلسلة من الإجراءات التي طالت المدارس الدينية الإسلامية، وسط تباين واضح بين الرواية الحكومية التي تؤكد أن الهدف هو “تحديث التعليم”، وبين انتقادات تعتبر أن هذه الخطوات تستهدف تقويض استقلال المؤسسات الإسلامية التاريخية.

الحكومة: إصلاح التعليم وتوحيد المناهج

تقول حكومة أوتاراخاند إن دمج المدارس الدينية ضمن مجلس التعليم الرسمي يهدف إلى توفير تعليم حديث ومتوازن يضمن للطلاب فرصًا أكبر في سوق العمل، مع إدخال العلوم والرياضيات واللغات إلى جانب المواد الدينية.

وأكد رئيس وزراء الولاية بوشكار سينغ دهامي أن أي مدرسة دينية ترفض تطبيق المناهج الحكومية ستتعرض للإغلاق، مشددًا على أن الدولة مسؤولة عن توفير تعليم موحد لجميع الطلاب دون استثناء.

ويرى مسؤولون في حزب بهاراتيا جاناتا أن استمرار وجود مجالس تعليمية منفصلة للأقليات يخلق نظامًا تعليميًا موازياً، بينما يساعد توحيد المناهج على دمج جميع الطلاب داخل النظام الوطني.

القيادات الهندوسية تؤيد القرار

لاقى القرار ترحيبًا من عدد من رجال الدين الهندوس، الذين اعتبروا أن دمج المدارس الدينية في النظام التعليمي الرسمي سيمنح الطلاب المسلمين فرصًا أكاديمية ومهنية أوسع، ويحد من اقتصار التعليم على الدراسات الدينية.

إلا أن بعض الأصوات ذهبت إلى أبعد من ذلك، مطالبة بإغلاق المدارس الدينية في مختلف الولايات الهندية، وهو ما أثار مخاوف واسعة لدى منظمات حقوق الإنسان والجماعات الإسلامية.

المسلمون: استهداف للهوية التعليمية

في المقابل، رفضت منظمات إسلامية ومجالس علماء القرار، معتبرة أن حل مجلس المدارس الدينية يمثل تدخلاً مباشرًا في إدارة المؤسسات التعليمية الخاصة بالأقلية المسلمة.

ويرى رئيس جمعية علماء الهند، محمود أسعد مدني، أن تطوير المناهج أمر ممكن دون إلغاء المؤسسات القائمة، مؤكدًا أن المدارس الدينية لعبت لعقود دورًا مهمًا في تعليم أبناء الأسر الفقيرة والحفاظ على الهوية الثقافية والدينية للمسلمين.

كما اعتبر عدد من القيادات الإسلامية أن فرض المناهج الحكومية بالكامل قد يؤدي تدريجيًا إلى تقليص مساحة التعليم الديني المستقل.

خبراء التعليم: الإصلاح ممكن دون الإلغاء

يرى الباحث في شؤون التعليم الهندي أبورفاناند أن تحديث المدارس الدينية ليس محل خلاف في حد ذاته، لكن المشكلة تكمن في غياب الحوار مع المؤسسات التعليمية الإسلامية.

ويقول إن الإصلاح الحقيقي يعتمد على الشراكة مع إدارات المدارس، وليس عبر إلغاء الهيئات القائمة وفرض نماذج إدارية جديدة، محذرًا من أن مثل هذه السياسات قد تؤدي إلى فقدان الثقة بين الدولة والأقليات.

من جانبه، يرى الباحث السياسي زيهاندر سيد أن الجدل لا يتعلق بالمناهج فقط، بل يرتبط بمستقبل استقلال المؤسسات الدينية وحق الأقليات في إدارة شؤونها التعليمية وفق الدستور الهندي.

أكثر من 24 ألف مدرسة دينية

تشير التقديرات إلى وجود أكثر من 24 ألف مدرسة دينية في الهند، يدرس فيها ما بين 1.5 و2 مليون طالب، ويعتمد معظمهم على هذه المؤسسات باعتبارها الوسيلة الوحيدة للحصول على التعليم المجاني في المناطق الفقيرة.

وخلال السنوات الأخيرة أغلقت السلطات مئات المدارس بحجة عدم التسجيل أو مخالفة اللوائح الإدارية، وهو ما أدى إلى حرمان آلاف الطلاب من مواصلة الدراسة، خاصة في الولايات التي يقودها حزب بهاراتيا جاناتا.

ردود فعل حقوقية

أبدت منظمات حقوقية هندية ودولية قلقها من تزايد القيود المفروضة على مؤسسات الأقليات، معتبرة أن أي إصلاح تعليمي يجب أن يتم بالتشاور مع المجتمعات المحلية، مع احترام الحقوق الدستورية الخاصة بحرية التعليم وإدارة المؤسسات الدينية.

ويرى مراقبون أن تزامن هذه الإجراءات مع قوانين مكافحة التحول الديني، وعمليات هدم بعض الممتلكات، وتشديد الرقابة على المؤسسات الإسلامية، يعزز الانطباع بوجود سياسة أشمل تمارس ضغوطًا متزايدة على المجتمع المسلم.

تخوفات من المستقبل

يحذر خبراء من أن استمرار إغلاق المدارس الدينية قد يؤدي إلى زيادة معدلات التسرب التعليمي بين أبناء الأسر الفقيرة، خاصة في المناطق الريفية التي تفتقر إلى مدارس حكومية كافية.

كما يخشى متخصصون في شؤون الأقليات من أن يؤدي تقليص استقلال المؤسسات التعليمية الإسلامية إلى اتساع الفجوة بين الحكومة والمجتمع المسلم، بما ينعكس على الاستقرار الاجتماعي في بلد يضم نحو 200 مليون مسلم.

ويرى مراقبون أن نجاح أي إصلاح تعليمي يتطلب تحقيق توازن بين تحديث المناهج والحفاظ على الخصوصية الثقافية والدينية التي يكفلها الدستور الهندي، بينما يبقى الجدل قائمًا بين من يعتبر الخطوات الحكومية إصلاحًا للتعليم، ومن يراها جزءًا من إعادة تشكيل هوية المسلمين في الهند تحت حكم رئيس الوزراء ناريندرا مودي.

اترك تعليقا