عصابات «الدهابة» ومؤامرة إشعال الحدود المصرية لصالح الدعم السريع
جمال طه يكتب
- dr-naga
- 25 يونيو، 2026
- حوارات ومقالات
- الحدود المصرية, الدعم السريع, السودان, المليشيات, عصابات «الدهابة»
الجهود السودانية المصرية السعودية التركية بامتداد العام الأخير انصبت على تجفيف منابع الدعم لميليشيات الدعم السريع السودانية، ونجحت في قطع طريق الشحن الجوي للإمدادات عبر مطار الكفرة جنوب شرق ليبيا، وتمكنت بالتنسيق مع الجيش السوداني وسلطات شرق ليبيا من وقف تهريب شحنات الدعم برا من الكفرة مع شاحنات الوقود الى السودان عبر المثلث الحدودي «مصر/ليبيا/السودان»، كما تم بالتنسيق مع تشاد وقف تهريب المرتزقة والمواد التموينية والأسلحة عبر حدود غرب دارفور، وتم تنسيق مماثل مع أفريقيا الوسطى، لتبقى إثيوبيا هي الثغرة الرئيسية التي تدعم الميليشيات مباشرة، وتتلقي الدعم الذي يتم تفريغه في «صوماليلاند» لشحنه جوا لولاية «بنى شنقول» الحدودية ومنها برا للسودان.
الميليشيات كانت تمول امداداتها ونفقاتها من عائدات استخراج الذهب من المناجم التابعة لها، خاصة «جبل عامر» 100 كيلومترا شمال مدينة «الفاشر» عاصمة شمال دارفور، التي تنتج وحدها 50 طن/عام، غير أن الطيران السوداني -ضمن خطة تجفيف منابع الدعم- دأب على قصف المنطقة ما أدى الى تراجع شديد في انتاجيتها.
حدود مصر الجنوبية المشتركة مع السودان 1280 كيلومترا، تمتد في مناطق صحراوية شديدة الوعورة يستحيل السيطرة الكاملة عليها، وهو ما استغلته الميليشيات في دفع عصابات «الدهابة» لتعويض نقص انتاج مناجم دارفور من خلال مناجم «جبل العقيدات والعلاقي والجبل الأحمر» شمال السودان القريبة من الحدود المصرية، والتسلل للداخل المصري عبر مسالك التهريب الحدودية للتنقيب عن الذهب والإتجار بالأسلحة والمخدرات والتربح من عمليات الهجرة غير الشرعية، وتهريب البضائع والأدوية والوقود.
عناصر «الدهابة» استخدمت سيارات الدفع الرباعي، وتسلحت بالبنادق الآلية، واصطحبت آلافا من معدات الكشف والتنقيب عن المعادن وطواحين الذهب، وكميات كبيرة من الزئبق والسيانيد شديدي الخطورة على الانسان والحيوان والبيئة، وصلت الى منجم «إيقات» بالصحراء الشرقية، وهو ملكية مصرية خالصة، يقع بمنطقة امتياز شركة «شلاتين للثروة المعدنية»، بالمشاركة مع الهيئة العامة للثروة المعدنية، وجهاز مشروعات الخدمة الوطنية، وبنك الاستثمار القومي، والشركة المصرية للثروات التعدينية، وتدير عمليات المنجم «شركة إيقات لمناجم الذهب»، احتياطات المنجم المبدئية من 1.2 إلى 1.4 مليون أوقية ذهب، ونسبة استخلاصه تصل الى 95% بمتوسط تركيز 1.5 جرام/طن، ومخصص له استثمارات تتجاوز مليار دولار، وهو يُصنف كثالث منجم ذهب في مصر بعد منجمي «السكري وحمش».
المسئولون في الموقع استغاثوا بالسلطات لنجدتهم من «التنقيب العشوائي»، وسرعان ما استجابت الدولة وبدأت بمحاولة الاقتراب والتوجيه والنصح بوقف الاعتداء على ثروات مصر المعدنية، ومغادرة حرم الحدود المصرية، لكنهم لم يكتفوا بالرفض بل لجأ بعضهم لاستخدام السلاح، الفريق أشرف زاهر وزير الدفاع التقى عددا من قادة ومقاتلي المنطقة الجنوبية العسكرية 6 مايو 2026، بحضور الفريق أحمد خليفة رئيس الأركان وقادة الأفرع الرئيسية، مشددا على ضرورة الاستعداد القتالي العالي لتنفيذ المهام المكلفين بها، ومثمنا دورهم في مكافحة التهريب والتنقيب العشوائي، واللواء أسامة عبد اللطيف قائد المنطقة أكد استعداد قواته لتنفيذ المهام المكلفين بها في حماية حدود مصر.
وبالفعل بدأ تنفيذ خطة عاجلة لتأمين حدود مصر الجنوبية ومناطق التنقيب، من خلال حملة موسعة قامت بها قوات إنفاذ القانون من رجال القوات المسلحة بالتعاون مع وزارة الداخلية داخل قطاع المنطقة الجنوبية العسكرية، استهدفت تمشيط جبال البحر الأحمر وسفاجا ومرسى علم وأسوان والممرات الجبلية لتطهيرها من البؤر الإجرامية التي تستغلها التنظيمات والشبكات الإجرامية لممارسة أنشطتها غير المشروعة، وملاحقة قواعد المتسللين من خارج الحدود، سواء كانوا «دهابة» أو مهاجرين غير شرعيين.
وقد أسفرت أعمال المداهمة عن ضبط 136 عنصر أجنبي و87 فرد مصري وأعدادا من المتسللين الذين لا يحملون مستندات إقامة رسمية بالبلاد و14 عربة وأجهزة اتصال لاسلكية ومبالغ مالية بالعملات الأجنبية والمحلية، وكميات من الأسلحة والذخائر غير المرخصة، وأعداد كبيرة من المعدات والأجهزة المستخدمة في عمليات التنقيب عن المعادن، وقد تم تسليم العناصر السودانية للسلطات الشقيقة عبر معبر «أرقين»، واحالة الباقي والمضبوطات للجهات القضائية المختصة لاتخاذ كافة الإجراءات القانونية حيالها وفقا للمواثيق الدولية ومعايير القانون الدولي الإنساني.
منظمة Swiss Aid السويسرية أكدت أن عائدات الذهب الذي تستخرجه عناصر «الدهابة» التابعة لميليشيات الدعم السريع -وتتولى تهريبه وبيعه- تُستخدم في تغذية المجهود الحربي وشراء الولاءات في حربها الطويلة ضد الدولة السودانية، لذلك استكمل الجيش السوداني الحملة ضد عناصر الدهابة في مناجم شمال السودان بدعم لوجيستي كامل، استنادا الى ما تمثله أنشطتهم من تهديد مباشر للأمن القومي وتأثيراتها السلبية على الاستقرار الاقتصادي ومناخ الاستثمار وجهود التنمية المستدامة.
***
حملة «الدهابة» لم تكن «عشوائية» كما تم وصفها، لكنها تزامنت مع أحداث بالغة الدلالة؛ الأول حملة الاعلام الإسرائيلي ضد التواجد العسكري المصري في سيناء، وادعائه بوجود عناصر من الحرس الثوري الإيراني تقوم بتهريب الأسلحة لقطاع غزة وإسرائيل الثاني ادعاء بعض صفحات التواصل إبرام عقود استثمارية تتضمن إنشاء 108 منجم للذهب والمعادن النفيسة شمال السودان في إطار شراكة استراتيجية، وهو ما نفت وزارة البترول المصرية صحته جملة وتفصيلا، الثالث تعرض الخرطوم لهجمات جوية إثيوبية، وانطلاق هجمات الميليشيات والمرتزقة من ولاية «بنى شنقول» عبر الحدود السودانية، باتجاه ولاية النيل الأزرق وسد الدمازين.
هذه التطورات أكدت أن الميليشيات السودانية -مخلب إسرائيل في الحرب السودانية- دفعت عصابات «الدهابة» لمنطقة الحدود المصرية السودانية ضمن مخطط إشعالها، لإجبار القاهرة على تخفيف الضغط عن سيناء وسحب قواتها المتمركزة هناك لمواجهة تهديدات الجنوب.
ملحوظة اضافية:
عندما يكشف الجيش المصري عن أنه تم ضبط قرابة 100 ألف من الدهابة والعناصر المتسللة للهجرة غير الشرعية وممارسة أنشطة اجرامية، ومصادرة 500 سيارة متنوعة، وذهب ومخدرات وبضائع مهربة قيمتها 40 مليار جنيه، فهذا يعنى أننا بصدد مخطط بالغ الخطورة يحمل تهديدات وجودية على أمن مصر القومي وسيادتها، ما يستعيد ذكرى تسلل الهكسوس الى مصر 1560/1550 قبل الميلاد، ونجاحهم فى الانقلاب والسيطرة على السلطة فى البلاد واستكمال احتلالها لقرابة مائة عام حتى تمكن الملك أحمس من تحرير البلاد.
نشر الأربعاء بجريدة (المصري اليوم)
